viernes, 7 de mayo de 2010

سعيد الجديدي الكاتب والصحفي المغربي

سعيد الجديدي الكاتب والصحفي المغربي الباحث

عن المتعة بلغة سيرفانطيس..

جواد الكلخة

الاتحاد الاشتراكي : 01 - 01 - 2010

يرى الأستاذ سعيد الجديدي في حواره مع جريدة الإتحاد الإشتراكي، أن رحلته في الكتابة بالإسبانية كانت و لا تزال رحلة البحث عن المتعة و أن الكتاب المغاربة باللغة الإسبانية كانوا عرضة للتناسي القاتل من لدن السلطات الثقافية بالمغرب ، و بعزة نفس و أنافة أدبية يؤكد أن الأدب المغربي المكتوب بالإسبانية لا يريد السقوط في خطيئة التسول و لا هو إرث إستعماري كما يراه البعض ، وعن أزمة الكتاب الأدب الإسباني المكتوب من طرف المغاربة يقرنه الأستاذ الجديدي بأزمة القراءة بالمغرب بصفة عامة.


1/ لمن يكتب الأديب سعيد الجديدي هل للمغاربة ؟ أم للنخبة الإسبانية ؟


٭ للذين يهتمون برؤيتي للأدب عن قرب ، لدي أربع كتب منشورة وأستعد لنشر الكتاب الخامس . تجربة إصدار هذه الأعمال الأربعة بالإضافة إلى مئات المقالات المنشورة في مختلف وسائل الإعلام الإسبانية والأمريكية اللاتينية و كذا الندوات التي قدمتها في الدول الناطقة بالإسبانية ، فمن خلال هذه التجربة تكونت لدي الفكرة التالية وهي أن الأعمال الجيدة هي التي يمكن أن تحظى باهتمام الجميع و بالتقدير و الإحتفاء .
و في هذا الإطار ، فإن الأدب المغربي المكتوب بالإسبانية ، والذي كتبته أنا ، ليس أدبا إسبانيا وإنما مغربي : أفكاره ، رؤاه ، تصوراته ، وأسلوبه في التواصل ، هي في الجوهر أدب مغربي محض موجه للمغاربة و للإسبان و لكل شخص مهتم بالأدب بصفة عامة .


2/ ماذا يمكن لكاتب غير إسباني و تحديدا مغربي أن يضيفه لقارئ إسباني ؟


٭ كما سبق وأشرت ، وبغض النظر عن القيمة المضافة لأي عمل أدبي ، فإن الأهم هو التعبير عن النفس ، إيصال مشاعر وإحساسات بلد جار لإسبانيا مثل المغرب . الأمر هنا لا يتعلق بسباق نحو هدف معين ، بل بكل بساطة التعبير عن النفس بواسطة لغة يعتقد المرء أنه يتقنها أكثر من غيرها ، بما في ذلك لغته الأم ، رغم أن الأمر لا يعني إهمال اللغة الأم التي أكتب بها غالبا في الصحف المغربية .
3/ هل فعلا يجد الأدب المغربي المكتوب بالإسبانية نفسه أمام صعوبة تأكيد الذات؟
٭ شخصيا لست بحاجة لذلك . بالنسبة لي لا يتعلق الأمر بفرض ذاتي ، لو كنت أتوخى ذلك لحصلت عليه بوسائل و أدوات لغوية أخرى و التي أتوفر عليها . الأمر ليس كذلك ، فأنا أعتقد أن المشكل بالنسبة لي على الأقل غير مطروح . فمقالتي في
IDENTIDAD ANDALUCIA ومواقعها الثمانية والعشرين ، من بينهاCNN الإسبانية ، و PRENSA LATINA في كوبا ، من بينها مقال آخر حول الوحدة الترابية ، مقالاتي في هذه المواقع من بين الأكثر قراءة والأكثر تعليقا ، من طرف قراء في العالم أجمع بينهم إنفصاليون من البوليساريو . يتعلق الأمر بتدفق للمشاعر أحاول أن أجد له قناة على شكل أفكار ، رؤى أو بكل بساطة أحلام تجد شكلها في نثر إسباني ، لكنها في كل أحوال من أعماق الخصوصية المغربية ، وفي حالتي التطوانية .


4/ ماذا نعرف نحن عن هذا الأدب مقارنة مع الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية؟


٭ لا أدري ، ولم أحاول أبدا أن أعرف ذلك . لكن الأكيد أنه مثلا في روايتي الأخيرة - يامنة -أو -الذاكرة الحميمية- ليس لدي ما أشكو منه . لقد نزلت إلى الأسواق في المغرب ، وكانت النتيجة أكثر مما كنت أتوقع ، كما أنه تقديمها في العديد من الجامعات المغربية أكد لي أن هناك اهتماما كبيرا بهذا النوع من الأدب ، أو على الأقل حب استطلاع وإعجاب بالأدب المغربي المكتوب بالإسبانية ولما أكتبه أنا بالإسبانية . كذلك ، لا بد من التوضيح بأنه في المغرب ، وبالرغم من عدم اهتمام دراماتيكي بالإسبانية وبأن جميع الذين يكتبون بالإسبانية كانوا عرضة لتناسي قاتل من طرف السلطات الثقافية في البلاد ، فإنني أجد يوميا هناك علامات من التعاطف والتضامن من طرف المجتمع المدني الذين يمدون بالطاقة اللازمة لمواصلة الكتابة .
5/ هل فعلا هذا الأدب لا يرقى إلى العالمية أو بعبارة أصح لا يرقى إلى التتويج على غرار الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية ؟


٭ الإسبانية والفرنسية لغتان مختلفتان ومتباعدتان . في فرنسا نجد أن أي إفريقي بإمكانه أن يصبح مرشحا لأعلى الجوائز الأدبية ، على عكس إسبانيا التي لم يعرف فيها الأدب أي ركود . أما بالنسبة للمقارنة مع الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية ، فسيكون من الهراء اللجوء إلى مقارنة مماثلة . لا أحد يجهل بأن المغرب ، في مختلف مؤسساته ما زالت تفرض اللغة الفرنسية ، بل إنها في حياتنا اليومية تتجاوز بكثير اللغة العربية . لذلك لا يمكن ولا يجب عقد مقارنات كما أنه في المغرب ليس هناك أزمة قراءة بالإسبانية بل أزمة قراءة بشكل عام ، بكل بساطة وعقلانية وتراجيدية .


6/ لماذا غياب الكتاب المغاربة عن خريطة الجوائز المهتمة بالأدب الإسباني ؟


٭ لقد أجبت عن ذلك ، السبب هو أن الكتاب المغربي المكتوب بالإسبانية لا يتمتع بالدعم المعنوي والمادي من طرف المسؤولين عن الشأن الثقافي في بلادنا . نحن لا نشكو ، فنحن الذين نكتب بالإسبانية لا نفعل ذلك من أجل الربح المادي ، ولكن من أجل أشياء أخرى عديدة من بينها المتعة التي يجلبها التعبير عن الذات ، وأن نحظى بالإعجاب إذا أمكن .


7/ ما هو دور المؤسسات الإسبانية ( سيرفاطيس ، وزارة الثقافة...) في هذا النكوص ؟ و هل أصبح تدخلها ملزما لها و إن من باب الدين الاستعماري لشمال و جنوب المغرب ؟


٭ لا أريد السقوط في خطيئة التسول ، لكني أعتقد أن لا علاقة لإسبانيا بالأدب المغربي المكتوب بالإسبانية وهو بالمناسبة ليس بإرث استعماري . أما بالنسبة للشأن للثقافي في المغرب فإنه لا يتوفر إلى حد الآن على أي تصور للتعددية اللغوية : العربية ، الفرنسية.....بكل جدية أعتقد أن جمعية الكتاب المغاربة بالإسبانية،بإمكانهم إثراء البانوراما الثقافية الوطنية وبالتالي لعب دور أساسي سواء في العلاقة مع إسبانيا أو الدول الناطقة بالإسبانية .إن الأزمة التي اصطلح عليها ب «سيدة لانزاروتيَ» ، أميناتو حيدر، أكدت أن على المغرب وباستعجال ، أن يضع استراتيجية للتواصل مع إسبانيا ، التي كان مجتمعها المدني الوحيد الذي دافع بابتذال عن هذه «المدافعة عن حقوق الإنسان» وعن البوليساريو و«رئيسها« مدى الحياة وقيادتها الأحادية . لذلك فإن الجواب الوحيد الذي بإمكانه خلق رجة هو جواب بالإسبانية على مطالب إسبانية .
8/ هل فعلا - كما يقول الأستاذ إدريس الجبروني- أنه عندما نتواصل بلغة المستعمر بدل لغتنا نفقد هويتا ؟


٭ لست متفقا الأستاذ إدريس الجبروني ، رغم أنني أحترم رأيه . ومع ذلك فقد قرأت له شيئا مماثلا مكتوبا بإسبانية جيدة ، إنه كما يقال مثل الملحد الذي يقسم بالله على أن الله غير موجود.

قصة الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية ..

قصة الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية ..



جواد الكلخة

الاتحاد الاشتراكي : 01 - 01 - 2010

كما لايخفى على أحد، فإنه بعد استقلال المغرب انكمشت الثقافة الاسبانية على نفسها وصارت محاصرة في دوائر ضيقة، ولم تحاول الخروج من قوقعتها إلى دوائر أوسع إلا في هذه السنوات الأخيرة من خلال تفعيل المراكز الثقافية الاسبانية، وبصفة خاصة بمدن شمال المغرب وبدأت آنئذ العودة إلى الاهتمام باللغة والثقافة الإسبانية وبالكيفية التي يراد لها، سواء من خلال تدريسها في معاهد سيربانطيس أو تنظيم لقاءات ومهرجانات تعنى بالأدب الاسباني مع شركاء لها على مستوى المؤسسات الثقافية المغربية الرسمية أو من المجتمع المدني.


بالعودة إلى التاريخ الثقافي المغربي وهذا شيء أساسي فإن منطقة المغرب الكبيرة التي كانت تسمى المنطقة السلطانية إذاك، والتي كانت ثقافيا أضيق، كان السائد فيها هو التعليم الفرنسي (اللغة الفرنسية)، بالرغم من أن الحركة الوطنية كانت تصدر مجلات ثقافية، وكان هناك كتاب وشعراء يكتبون بالعربية، لكن المجال في تطوان، وفي الشمال كان أوسع بكثير، فقد بقي التعليم معربا، والتعليم كان في كل مدن الشمال باللغة العربية، أما اللغة الإسبانية فقد كانت هي اللغة الثانية، إلى جانب الحركة الثقافية التي نضجت في الشمال، وفي تطوان بصفة خاصة، ونضجت ابتداء من الثلاثينات وقويت في الأربعينات، بحيث كانت تصدر عدة مجلات ثقافية، حيث اعتبر ذلك ظاهرة ممتازة، وكان يكتب فيها الشعراء والكتاب المغاربة الذين يكتبون بالعربية من الرباط وفاس، وأقدم مثال على ذلك الشاعر محمد السرغيني الذي كان ينشر شعره الأول في مجلة «المعتمد» وفي مجلة «الأنيس»، وفي غيرهما من المجلات التي كانت تصدر في تطوان، و كل الأسماء التي كانت تكتب إذاك كانت تراسل هذه المجلات، أي أن الجو كان مهيئا في الشمال لإنبات وتوريث حركة ثقافية، لكن الدارسين للشعر المغربي ينسون فترة مهمة من تاريخ الشعر المغربي، وهي فترة الثلاثينيات وفترة الأربعينيات، وخصوصا ما قدمته مجلة «المعتمد»، التي كانت تصدر باللغتين، وهي مجلة شعرية على الأقل امتزج فيها الشعر المغربي العربي ، بالشعر الإسباني، واطلع من خلالها الشعراء المغاربة على تجارب رائدة من الشعر الإسباني إذاك ، الذي كان يعيش إحدى لحظات الوهج في ظل جيل ( لوركا) ، وجيل سالفادور دالي كرسام وويليم الكسندري وهو شاعر إنساني كبير - حائز على جائزة نوبل- ، الذي هو الآخر كتب في مجلة «المعتمد» ، إذن هذه التجارب كانت تترجم إلى العربية.
ومن هنا كان المغاربة يتابعون كل ما يترجم، ومنهم من كان يعرف الإسبانية ويطلع على اللغة الإسبانية. وما كان يجب أبدا أن نغفل هذه المرحلة ولا نعطيها ما تستحقه من كونها تأسيسية في تاريخ الشعر المغربي، فليس من الصدفة أن ينبثق الشعر المغربي الحديث أو التجربة التحديثية حتى ولو لم يكن الشعراء تطوانيين، أو حتى لو لم يكونوا شماليين، فهم كانوا يكتبون في هذه المجلة.


ومن جهة أخرى فإن للشاعرة الاسبانية ترينا مكادير(
TRINA.MACADER) ذكريات، فهي قد عاشت في المغرب فترة وبالتحديد بمدينة العرائش. ثم بعد سنة أو سنتين ستنتقل لتقيم بمدينة تطوان، حيث أسست مجلة (المعتمد) بمدينة العرائش، وأصبحت تصدر من هذه المدينة، وفي هذه المرحلة الثانية عرفت المجلة تطورا ملحوظا عند إقامتها بتطوان، وذلك في أوائل الخمسينيات، (من 1947 إلي 1956)، وكانت الشاعرة شغوفة بالثقافة العربية في لقائها بالثقافة الاسبانية، إذ أنها كانت تنحدر من جذور أندلسية فتخصصت في نشر الشعر العربي الحديث والشعر الاسباني كذلك باللغتين معا، وكذلك استطاعت في فترة وجيزة أن تستقطب أبرز الشعراء الاسبان الشباب، ومن خلالها كان القارئ يطل علي مختلف التيارات الشعرية في العالم العربي.لذا فإن بدور الحداثة الشعرية انطلقت من ما كان ينشر بتطوان، وكان هناك احتكاك مباشر ما بين التجربة الشعرية الإسبانية التي كانت في أوجهها، وكذا احتكاكها بالشعر العالمي، من هنا لابد لهذه الحركة التي كان مجالها هو هذه المجلات التي كانت تصدر من تطوان أن يكون لها تأثير كبير .
ولهذا فإن الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية وجد له حضورا قويا بشمال المغرب، والذي كان مستعمرا من طرف اسبانيا. وبالتالي فإن أدباء هذه المنطقة كانت دراستهم وتكوينهم باللغة الاسبانية بالكامل، لذا فاللغة الاسبانية التي تكلموا وكتبوا بها شكلت وعيهم لمعانقة الابداع الأدبي، وكان الأقرب لهم حينئذ، لكي يطوعوا قدراتهم، وملكاتهم الإبداعية هو الاطلاع على الأدب الاسباني وما يحمله من تيارات الحداثة، وهناك من المختصين في ظاهرة الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية، تجدهم يصرون على التأكيد أنه خلال فترة الاستعمار عاش في المغرب كتاب ومبدعون اسبان، وتفاعلوا مع نظرائهم المغاربة، إلى درجة أنهم أسسوا مجلات أدبية كانت هيئات التحرير فيها مكونة من مثقفين وادباء مغاربة واسبان، فظهرت مجلة (تمودة) بتطوان، ومجلة (المعتمد) بالعرائش.


ولكن لماذا تخلى الأدباء الذين يكتبون الأدب المغربي باللغة الاسبانية عن لغتهم الأم، هل هناك عجز في التواصل أو أن اللغة ما هي إلا أداة للتواصل وكفى، والسؤال الجوهري لماذا نكتب بلغة أخرى وما هي مشروعية هذه اللغة للتعبير عن هويتنا وخصوصياتنا المغربية ، هل هذه الكتابة هي مشروع للتعبير عن الهوية والثقافة المغربية ، هل بحافز مغازلة الغرب والتودد إليه فيما صار يصطلح عليه اليوم بحوار الحضارات. غير أن الذين يكتبون بالاسبانية لم ينالوا الشهرة التي حضي بها الكتاب الذين كتبوا بالفرنسية وعرفوا بعناوين أدبية بارزة مثل «الماضي البسيط» للراحل إدريس الشرايبي ثم الطاهر بنجلون الذي عرف بأكثر من عنوان روائي أثار من خلاله حدثا ثقافيا بفرنسا.


أما عن الاهتمام الذي يجده الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية في البرامج الثقافية بالمغرب ونقصد هنا غير الرسمية، ففي متابعة هنا وهناك، لمجمل الأنشطة الأدبية سنلاحظ أن الاهتمام بالأدب المغربي المكتوب بالاسبانية ضمن برامج المؤسسات الثقافية، شبه منعدم، ماعدا بعد المجاملات، والتي تطبع مجملها صفة الاخوانيات والصداقات، فقليلا ما يتم استدعاء أدباء وكتاب أبدعوا باللغة الاسبانية إلى مهرجانات شعرية وأدبية إلى جانب شعراء العربية الفصيحة، لذا الأمور تبدو غير واضحة ومبهمة، لماذا يغيب الاهتمام باللغة الاسبانية وعدم الاكتراث، هل لأسباب سياسية، أم أن النخبة المثقفة هي من تحاول اكتشاف الأرخبيلات الأدبية القريبة إلى وجدانها. وفي وقت سابق كان يُتهم المثقفين الإسبانوفيين بانطوائهم على أنفسهم وربما خوفا من الاصطدام مع التقليديين الذين لايقبلون بلغة غير العربية في الأدب والفكر ، كما كان لفترة خروج المغرب من جحيم الاستعمار الاسباني والفرنسي أثر سلبي، وهناك اصطدامات ربما كانت موروثة بعد استقلال المغرب السياسي عام 1956والتي لاتنتصر إلا للغة العربية والتي تعتبر أن السيادة الوطنية لا تتم إلا عبر السيادة اللغوية للنخبة السياسية الحاكمة.


وبرأي المختصين بالأدب المغربي المكتوب بالاسبانية فإنهم يرون أنه بالرغم من الانتشار الذي حققه هذا الأدب ليصبح مقروءا خارج الحدود ولا يلتفت إليه من قبل المؤسسات الثقافية المغربية فإنه أدب يقدم على طبق ساخن على شكل شربة لذيذة للاسبان يتلذذون من خلالها في الواقع المغربي والذي لا يقدم منه إلا من يرتدي السواد .


وقد كان لجمعية الكتاب المغاربة باللغة الإسبانية ، التي تأسست في مدينة العرائش سنة 1997 ، ويٍرأسها حاليا الأستاذ لعشيري ، كاتب وصحفي بجريدة (لامنيانا) ، دور أساسي في جمع شمل الأدباء والتعريف بإنتاجاتهم الأدبية والتي صارت موقع نقاش أدبي ونقدي من خلال ما أنجز من تراكم وإغناء للخزانة الاسبانية ونجد مثلا الكاتب محمد الصيباري، ألف عشرة كتب بالاسبانية، ومحمد بويسف الركاب ثمانية مؤلفات، ومحمد أقلعي ثلاثة كتب، ومولاي احمد الكامون و الروائي سعيد الجديدي صدرت له أربع روايات باللغة الاسبانية «الصرخة الأولى» العام 2001، « تقرير المصير المبهم» العام 2003، «تحت الختم» 2005العام ، وأخيراً رواية «يامنة» العام 2006.


وأما الشاعر عبد الرحمان الفتحي فله خمسة دواوين شعرية وهي : «ثلاثية الصور والكلمات» العام 1998، «الرسو» 2000العام الذي نال به «جائزة رفاييل  ألبرتي للشعر» ، و»إفريقيا في أبيات مبللة» العام 2002، «الربيع في رام الله وبغداد» 2003العام ، و»من الضفة الأخرى» 2006العام . وأخيرا ديوان «الربيع في رام الله وبغداد» .


وحول هذه التراكمات الأدبية وغيرها يبقى التساؤل المطروح ما هي الإضافة التي ستضيفها للأدب الاسباني وهل القارئ الاسباني في حاجة إلى المغاربة لكي يؤلفوا له روايات ويكتبون له القصائد بلغتهم ، وفي هذه المقاربة نلتقي فيها مع رأي الإعلامي والشاعر شكري البكري الذي يكتب بالعربية والاسبانية حين يتساءل هو الآخر « ماذا يمكن لكاتب غير إسباني أن يضيفه لقارئ إسباني؟ هل تعدم  الآداب الإسبانية، بكل روافدها، شاعراً أو قاصاً؟ لا أظن. وإذن، كيف لي أن أضيف شيئاً، بتخيلي ولغتي العربيين، إلى المتنين الإسباني والأمريكي اللاتيني؟ ينبغي ألا ننسى هذا العنصر الذي يعتبر من أغنى عوامل الثراء في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية. وأذكر أنّ هذا هو ما ركزت عليه في مداخلتي بمناسبة انعقاد أول ندوة دولية للأدب المغربي ا لمكتوب باللغة الإسبانية التي عقدتها كلية الآداب ظهر المهراز بفاس عام 1994» .
ونعرف أن الكتابة باللغة الاسبانية جاءت لحاجة معرفية وجمالية، لاكتشاف بلد قريب منا، ومشابه لثقافتنا، ولنا تاريخ مشترك معه، نستطيع أن نتواصل معه بسرعة، لأن الأدب بمستطاعه أن يكسر الحدود ويوطد العلاقات الانسانية أي ماعجزت السياسة عن تحقيقه ، إلا أن مستقبل هذا الأدب مرهون بالأجيال الأدبية الجديدة والتي هاجرت اسبانيا والتي من شأنها أن تكون قد تخلصت من العقدة الاستعمارية لشمال المغرب وتداعياتها وجراحاتها والتي لم تندمل لدى الأباء والأجداد. وبهذه المناسبة نذكر اسم برز مؤخرا ويتعلق الأمر بالكاتبة المغربية نجاة الهاشمي والتي فازت بأبرز جائزة أدبية في كتالونيا الإسبانية،إذإعتبر النقاد روايتها «آخر الآباء المتسلطين « (
Lltim Patriarca) مفاجأة الساحة الأدبية الكتالونية في إسبانيا العام الماضي بعد فوزها بأبرز جائزة أدبية كتالونية، وهي «جائزة رامون لول» التي تمنح سنوياً منذ العام 1981 لأفضل عمل أدبي مكتوب باللغة الكتالونية. وحققت نسبة كبيرة من المبيعات.


تحت المجهر


لو وضعنا الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية، تحت المجهر وقمنا بعملية تفكيكه وقراءته، والتنقيب عما أنجز فيه، وما لم ينجز، وما هي الفتوحات التي قام بها كتاب هذا النوع من الأدب، وما هي التراكمات الإبداعية التي تحققت أو لم تتحقق، ونحن نعرف أن النقد الأدبي الاسباني يكرس المواضعات، وخصوصا فيما يتعلق بالمهاجرين وبأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يضعنا أمام سؤال عريض : (الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية . ما هي خلفياته وأسراره ولم لا يحتكم النقاد إلى النص؟ ) فضلا عن هذا ، فإن هذا الأدب تعوزه الانتشار، بالمقارنة مع الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، والذي تقام له حملة دعائية كبرى وتحقق رواية واحدة أكبر سقف من المبيعات وتصنع الحدث الثقافي.
ومن وجهة نظر الناقد و المترجم إدريس الجبروني الذي ينفي وجود الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية « قائلا «لا يوجد أدب مغربي بالإسبانية، كل ما هناك، نصوص مكتوبة بالإسبانية من طرف مغاربة، وهذا إضافة إلى أنه يجب أن يفرح الناطقين بالإسبانية، يمكن أن يعني إمكانيات جديدة للإسبانية» . ولو أن وجهة نظر إدريس الجبر وني هاته جد قاسية بعض الشيء ، إلا أنه يعللها بعدد من الأسباب، فهو يرى بأن هذا أدب لا مستقبل له، نظرا لطابعه لما بعد المرحلة الكولونيالية  وغياب القراء بهذه اللغة بالمغرب. يصفه بمكر الأدب وهو مكر حالات كثيرة أخرى يلجأ إليها عن قصد وبغايات التضليل والالتباس والخداع . مشيرا في ذات الوقت إلى أن المحاكاة الخسيسة للأساليب، والمواضيع، والتصرفات، والاستعمالات الأدبية، في أخشن مظهرها، تبدو وكأنها تقدم لقارئ أوربي أو متظاهر بمظهر الأوربي الواقع السياحي الذي يفضل أن يراه في المغرب. ودون وعي فإنّ أصالة هؤلاء الكتاب تتعرض لخطر التحول إلى تصريح إيديولوجي للاستعمار الثقافي نفسه، الناتج عن التبعية.لا يوجد أدب مغربي بالإسبانية، كل ما هناك، نصوص مكتوبة بالإسبانية من طرف مغاربة، وهذا إضافة إلى أنه يجب أن يفرح الناطقين بالإسبانية، يمكن أن يعني إمكانيات جديدة للإسبانية.


إلا أن الشاعر العياشي أبو الشتاء له رأي آخر إذ يرفع من قيمة الأدب الاسباني المكتوب من طرف مغاربة، معتبرا إياه إثراء للادب الاسباني نفسه وتنويع قد يكون نوعيا ذا خصوصية في سنفونية ذلك الأدب. لكن الشاعر العياشي أبو الشتاء يستلزم في الكتابات باللغة الاسبانية شعرا ونثرا، شرط أساسي وضروري لكي يتحقق فيها الخلق والابداع، وجمال التخييل، والتمكن من اللغة وإتقانها، ذلك انه بدون هذه المكونات لايستقيم إبداع، ولايكون أدب، ولا تتوفر نصوص فيها بذخ وجمال، وفيها خلق عوالم وتشكيلها وبناء فضاءات استنباتها يجري فيها التخييل. ونفس التحليل ذهبت إليه في إحدى مقالاتها الباحثة والمؤرخة الاسبانية «مارياروسا دي مادارياغا» حين أشارت إلى سياسة الاستعمارين الفرنسي والاسباني بالمغرب. «ففي الحالة الفرنسية نجد كتابا مرموقين لهم نصوص أدبية رفيعة المستوى وعددهم كثير، بينما في الحالة الإسبانية في الشمال، فإن الذين يكتبون باللغة الإسبانية عددهم قليل، ويكتبون بلغة رديئة» .
وعودة إلى الانجاز النقدي الذي حاول مواكبة الأدب المغربي المكتوب بالاسبانية فإننا نجد ذلك قليل جدا، وحتى المؤلفات الأدبية، فإنه يصعب العثور عليها، ما عدا في بعض المكتبات الخاصة لبعض المتخصصين في الأدب الاسباني، إلا أننا نجد الكتاب المشترك الموسوم ب : «الادب المغربي باللغة الاسبانية» لمؤلفيه الكاتب المغربي محمد شقور والكاتب الاسباني سرخيوماثياس، الصادر العام 1996 عن مطبوعات ما غاليا بمدريد، والذي حاول أن يجمع بعض هذا الشتات وهي محاولة لأصحابها أجرين لعملهما هذا ، إلا أن الملاحظ أن هذا الكتاب لم يخل من بعض الثغرات، وكان موضع نقاش ونقد موضوعي، وهذا أجمع عليه كل من الشاعر العياشي أبو الشتاء و الناقد والمترجم إدريس الجبروني والباحثة والمؤرخة الاسبانية «مارياروسا دي مادارياغا» في متابعاتهم النقدية على اعتبار أن مؤلفي الكتاب المذكور، قد جانبا الصواب، حينما تبنيا مفهوما للاستسبان فضفاضا، جعلهما يدخلان في الكتاب كل نشاط ذهني وفكري باللغة الاسبانية قام به كتاب مغاربة، واعتباره أدبا اسبانيا مغربيا حتى إن لم يكن يمت بصلة إلى مفهوم الأدب بالمعنى المتعارف عليه، بل أكثر من هذا، في الكتاب أسماء شعراء لم يعرف عنهم أنهم كتبوا يوما ولو محاولات باللغة الاسبانية ورغم ذلك، هم حاضرون في الكتاب لا لشيء سوى أنهم يلمون باللغة الاسبانية، وهنا يطل مجددا مفهوم الاستسبان الواسع المعتمد كرؤية ومنطلق لتأليف الكتاب المشار إليه

الأدب المغربي باللغة الاسبانية..العياشي أبو الشتاء

الأدب المغربي باللغة الاسبانية..



العياشي أبو الشتاء

الاتحاد الاشتراكي : 13 - 02 - 2009

لنبدأ بالسؤال: أهو أدب مغربي باللغة الاسبانية أم أدب اسباني مكتوب من طرف مغاربة؟ والسؤال ذاته ينسحب على الأدب المغربي باللغة الفرنسية والانجليزية، على اعتبار ان المغرب ملتقى اللغات وكليات آدابه يتخرج منها كل سنة أفواج من أقسام اللغات والآداب الأجنبية باللغات المشار إليها.
حينما نتحدث عن الأدب المكتوب بلغة أجنبية مثل اللغة الاسبانية بالنسبة للحالة التي نحن بصددها الآن، فإن الذهن ينبغي ان ينصرف إلى شيئين اثنين


1 - اللغة الاسبانية وسيلة التعبير في هذا الادب.


2 - الكاتب الذي يكتب بتلك اللغة.


اللغة: فإذا أخذنا لغة التعبير التي هي هنا اللغة الاسبانية، فإننا نرى فيها الوسيلة التي كونت مخيال وذائقة الكاتب او الشاعر، وهي الاداة التي اطرت وعيه الجمالي، ورؤيته للحياة والكون، وانشأت السليقة لديه بحيث لا يمر شيء واقعيا كان او متخيلا الا عبر جهاز اللغة، و اللغة كما هو معلوم حمالة اوجه من القيم وأشكال الوعي الثقافي المنغرزة في ثقافة تلك اللغة المكتوب بها الإبداع والأدب، مثل حالتنا هذه، التي هي الادب والابداع الاسبانيان المكتوب من طرف كتاب وشعراء مغاربة، من هنا نصل الى خلاصة مفادها ان الكاتب الذي يكتب ادبا باللغة الاجنبية التي تربى في احضانها، و رضع من لبنها سنوات ذوات العدد، خلال تكوين، وعيه الجمالي والمخيالي والتقافي، لا يمكن الا ان تكتبه تلك اللغة بحمولة قيمها وثقافتها الزاخرة، بدل ان يكتب هو بها، وهنا نصل الى الرأي القائل، اننا لا نكتب باللغة وانما ننكتب من خلال اللغة.
وبعد، أليس من المعقول ان نعتبر ان الادب الذي يكتبه الكتاب والشعراء المغاربة باللغة الاسبانية هو ادب اسباني كتبه ويكتبه مغاربة، وبالمثل نقول الشيء ذاته عن ما يكتبه كتاب وشعراء مغاربة باللغة الفرنسية او الانجليزية، انه ادب فرنسي وانجليزي كتابة مغاربة وليس ادبا مغربيا، فالجنسية لا تكتب ادبا ولا تخلق فنا او تبدع جمالا، وانما اللغة التي نكتب بها وتنكتب الذات من خلالها، هي التي تبدع ادبا، وتخلق فنا وتسوي جمالا، ودع عنك في هذا الباب النظريات التي تفسر الخلق والابداع بارجاعها الى الجنس والعرق وما شابه، ويبقى ان الادب الاسباني المكتوب من طرف مغاربة، هو اثراء للادب الاسباني نفسه وتنويع قد يكون نوعيا ذا خصوصية في سنفونية ذلك الادب، مثل شأن الشعراء والكتاب المنحدرين من جنسيات وارومات فارسية ورومية.. خلال القرن الثاني والثالث الهجريين والذين كتبوا باللغة العربية، فأغنوا وأثروا الادب العربي القديم، فهل بعد الذي قلناه عن اللغة المكتوب بها، نعود الان ونقول: الشعر الفارسي العربي او الشعر الرومي العربي، استنادا الى أن الذين قالوا وكتبوا ذلك الشعر هم من ارومة فارسية ورومية؟!
الكاتب
حينما نصل الى هذه اللحظة المفصلية في تخلق ادب اسباني يكتبه مغاربة، نكون قد جسرنا الهوة الفاصلة بين اللغة الاسبانية المكتوب بها والكاتب الذي يكتب ذلك الادب، شريطة ان نضع في الاعتبار الفرق بين الكاتب الاستسباني
hispanisla والكاتب المبدع.


إن مفهوم الاستسبان
Hispanismo هو مفهوم فضفاض، يتسع ليشمل كل من يستعمل اللغة الاسبانية، في اي مجال من مجالات النشاط الفكري والذهني، بل انه لينسحب على كل من يجيد الكلام والتواصل السلس باللغة الاسبانية، حتى وان لم يكن على جانب من التعلم والثقافة. وكم هم الذين يمكن ادراجهم في هذا المفهوم الواسع للاستسبان من الجيل الذي بدأ ينقرض الان، وكان قد ادرك حقبة الحماية الاسبانية لمنطقة شمال المغرب، وفي هذا السياق نورد تعريفا للاستسبان، للراحل، رودلفوخيل، مدير سابق للمركز الثقافي الاسباني بتطوان، يقول:


«ان الاستسباني (المغربي) ليس هو ذلك الذي يقتصر اشتغاله فقط على اللسانيات الاسبانية، فقه اللغة، الادب، وعلى تعليم اللغة الاسبانية ذاتها، وعلى التاريخ، الحضارة والانتروبولوجية الثقافية، وانما الاستسباني، هو كذلك من يبدع كاتبا باللغة الاسبانية، ومن يستعملها كأداة رئيسية في عمله المهني مهما كان، ومن يستخدمها كوسيلة مفضلة لاكتساب المعارف، من يترجم، وحتى من هو غير متمكن من اللغة، ولكنه يشتغل في ماهو اسباني ايا كانت وجهة النظر(...) لقد طور الاستسبانيون المغاربة الاوائل عملهم في مجالات متعددة، مثل التاريخ، الفلسفة، القانون، الانتروبولوجية الثقافية، الادب، الترجمة السياسة من وجهة نظر متعددة، الشعر السرد..».

المرجع literatura marroqui en langua caste


Llanam Mohammad chakor-sergio Macias.p17


فاذا استثنينا الكاتب المبدع باللغة الاسبانية، من بين جميع انواع الكتاب وممارسي اشكال الانشطة الذهنية والفكرية الاخرى الواردة في هذا التعريف الفضفاض لمفهوم الاستسبان، سنجد ان الكاتب المبدع باللغة الاسبانية، هو الذي يستحق ان نطلق عليه كاتب أدب اسباني، وأن ما يبدعه هو أدب اسباني مكتوب من طرف واحد من الكتاب المغاربة الذين يبدعون باللغة الاسبانية، اما باقي الانشطة، وانواع الكتابات الاخرى الواردة في التعريف الفضفاض للاستسبان، فهي بقدر ما تبتعد عن الادب باعتباره ابداعا، بقدر ما تقترب من مجالاتها وأجناسها التي تحكمها قوانين خاصة بها. ومن هذا المنظور، وحرصا على بلورة مفهوم للادب الاسباني المكتوب من طرف شعراء وكتاب مغاربة، فإنه من اللازم ان نبقي على الكتابات باللغة الاسبانية شعرا ونثرا، التي يتحقق فيها الخلق والابداع، وجمال التخييل، والتمكن من اللغة واتقانها، ذلك انه بدون هذه المكونات لايستقيم ابداع، ولايكون أدب، ولا تتوفر نصوص فيها بذخ وجمال، وفيها خلق عوالم وتشكيلها وبناء فضاءات استنباتها يجري فيها التخييل مندلقا على الورق، أعني خلال النصوص، ومن وجهة النظر هذه، اعتقد ان مؤلفي كتاب «الادب المغربي باللغة الاسبانية» السيدين محمد شقور وسرخيوماثياس، قد جانبا الصواب حينما تبنيا مفهوما للاستسبان فضفاضا، جعلهما يدخلان في الكتاب كل نشاط ذهني وفكري باللغة الاسبانية قام به كتاب مغاربة، واعتباره أدبا اسبانيا مغربيا حتى ان لم يكن يمت الى مفهوم الادب بالمعنى المتعارف عليه، بل اكثر من هذا، في الكتاب اسماء شعراء لم يعرف عنهم أنهم كتبوا يوما ولو محاولات باللغة الاسبانية ورغم ذلك، هم حاضرون في الكتاب لا لشيء سوى أنهم يلمون باللغة الاسبانية، وهنا يطل مجددا مفهوم الاستسبان الواسع المعتمد كرؤية ومنطلق لتأليف الكتاب المشار إليه.
وانا أعيد الآن قراءة هذا الكتاب الصادر سنة 1996 عن مطبوعات ما غاليا بمدريد، بعد ان كنت قد قرأت عقب توصلي به من الصحافي والمبدع باللغة الاسبانية محمد شقور مشكورا، تبين لي لو أنه يتم تشذيبه وتنقيحه، والاقتصار فيه فقط على الكتاب والشعراء المغاربة الذين مارسوا الكتابة الابداعية باللغة الاسبانية، ولهم اعمال مطبوعة في جنس الشعر والقصة وا لمسرح والرواية وعلى كل كتابة اعتدنا أن ندخلها في الابداع الادبي والخلق الفني، ومثل اعادة النظر هذه، اذا تمت، سيكون لها مردود، يظهر في محاولة بلورة مفهوم الادب الاسباني الذي كتبه ويكتبه المغاربة، بالاضافة الى ذلك، فإن هذه المسلكية، ستسمح بمعرفة الرؤى التي أطرت هذا الادب في مرحلة ما من مراحل المغرب الحديث إبان فترة الحماية الاسبانية، وخاصة بالنسبة للجيل الاول من هؤلاء الكتاب والشعراء، ولن يتم هذا الا بإعادة نشر نصوص هؤلاء الكتاب المغاربة باللغة الاسبانية وجعلها في متناول من يهتمون بهذا الابداع، سيما وان ذلك الجيل يعتبر المؤسس والرائد، واعتقد أن جزءا من هذه المسؤولية، حتى لا أقول من الدين التاريخي
Deuda historica تتحملها الجهات والمراجع العليا في الدولة الاسبانية الموكول إليها رعاية اللغة والثقافة الاسبانيتين، خاصة اذا كان الامر يتعلق بالمحميات القديمة، وكما أن بعض هذه الجهات، خاصة بعض المراكز الثقافية الاسبانية بالمغرب، اطلقت الآن مشروع تمويل تجربة ترجمة اعمال أدبية لكتاب وشعراء اسبان الى العربية، فإنه، من باب الدين التاريخي العالق، على تلك الجهات ان تمول خريطة طريق لنشر واعادة نشر اعمال أدبية لكتاب مغاربة كتبوا باللغة الاسبانية، خاصة الرواد منهم، وقد يكون لرابطة الكتاب المغاربة باللغة الاسبانية دور في هذا المجال، نقول هذا، سيما وان مسألة حضور اللغة والثقافة الاسبانيتين بالمغرب وقع فيها انفصال وانقطاع.

ارنستوا تشي جيفارا


ارنستوا تشي جيفارا

(14-5-1928) - (8-10-1967)

نشر فليكس رودريجيس، العميل السابق لجهاز المخابرات الأميركية (CIA) من طريق الشبكة العنكبوتية صوراً لا سابق لها عن إعدام تشي جيفارا. وتمثل هذه الصور آخر لحظات حياة هذا الثوري الأرجنتيني قبل إعدامه بالرصاص ب'لا هيغويرا' في غابة 'فالي غراندي' ببوليفيا، في 9 أكتوبر(تشرين الأول) من عام 1967. وتظهر الصور كيفية أسر تشي جيفارا، واستلقائه على الأرض، وعيناه شبه المغلقتان ووجهه المورم والأرض الملطخة بدمه بعد إعدامه. كما تنهي الصور كل الإشاعات حول مقتل تشي جيفارا أثناء معارك طاحنة مع الجيش البوليفي. وقبيل عدة شهور، كشف السيد فليكس رودريجيس النقاب عن أن أيدي تشي جيفارا بُترت من أجل التعرٌف على بصمات أيديه.

..........

- لحظة الفراق .

' سأقضي ما تبقى من أيام حياتي أبحث عن جثته . في كل مكان : في كوبا في فنزويلا ، في بوليفيا ، لا يهم . فأنا لا أصدق إنهم استطاعوا القضاء عليه وأنا لا اصدق انه مات ولا أصدق إنهم أحرقوه .' لم يصدق الوالد أنه مات كان يتصور أن الموت يهرب من تشي وأنه سئم مطاردته . وكان الموت بالنسبة الى 'تشي' الحقيقة اليومية يرافقه خطوة خطوة كالربو والزفير والشعلة المتململة والنوم . كان ينام بالقرب من أحلامه ، يشاطره في أحلامه ، ينافسه في أحلامه . مرة ، قال لرفيق له كان يقاتل بجانبه في الأدغال ، والرصاص ينهال عليهما :

-'أتدري كيف اتمنى ان أموت ؟كما تمنى قصة بطل 'جاك لندن ' . ادرك انه سيتجمد حتى الموت في أراضي الاسكا البيضاء المقفرة ،فاستند بهدوء الى شجرة ، واستعد لمواجهة الموت بصمت وكبرياء . كم اتمنى الان لو استريح على جذع شجرة ،ليهدأ الزفير داخلي ، وأموت ، بعد ان أفرغ رصاص بندقيتي في الجنود القادمين من وراء هذه الأشجار . ' كان ذلك سنة 1957 ، قبل الدخول الى المدينة والانتصار . ومرة ، قال لكاسترو ، في الرسالة الاخيرة التي وجهها اليه:

- ذات يوم ، سئلنا عن الشخص الذي ينبغي انذاره ام اعلامه عند موت أحدنا .

وفوجئنا جميعا بهذه الإمكانية الحقيقية . ثم ادركنا ان الثائر الحقيقي 'اما أن ينتصر او يموت . وكثيرون سقطوا في طريق النصر الطويل . '

كان ذلك سنة 1965 .

ومرة ثالثة ، قال في البيان الثوري الذي وزعه في نيسان 1967 :

-' لا يهمني متى واين سأموت .'

لكن يهمني إن يبقى الثوار منتصبين ، يملأون الأرض ضجيجا ، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين .

ثم سقط أخيرا في الخريف ، مع سقوط أوراق الأشجار التعبة .

لكنه لم يحقق أمنيته التي رددها أمام صديق له في فترة النضال الأولى: لم يمت وهو مستند الى الشجرة ، بل سقط مجندلا في واد صغير ضيق ، بتسع رصاصات ، ربما أقل ،ربما أكثر . والتقطوه وحملوه ووضعوه على طاولة عالية ،ثم قالوا للصحافيين والمصورين والعالم أجمع :

'- هذا هو 'تشي' غيفارا . لقد انتصرنا عليه .'

بدأت المرحلة الاخيرة من المطاردة الني استمرت أكثر من سنتين ،واستعملت الولايات المتحدة مختلف الوسائل للقضاء على موجة حرب العصابات التي يقودها 'تشي' غيفارا ، في نيسان 1967 ، بعد ان القت السلطات البوليفية القبض على المفكؤ الفرنسي الماركسي ريجيس دوبريه ، واتهمته بالتعاون مع غيفارا وأنصاره ، وسجنته وعذبته لتنتزع منه اعترافا بمكان غيفارا .

وبعد ذلك بفترة قصيرة ، أعلن رئيس الجمهورية البوليفية الجنرال رونيه بارينتوس بأنه واثق هذه المرة من القبض على غيفارا حيا أو ميتا .

ولم يكن بارينتوس يعتمد في عملية مطاردة واصطياد غيفارا على رجاله وحدهم ، ولا على بعض رجال العصابات الذين تخلوا عن غيفارا وحاولوا الكشف عن مكانه ، بل كان يعتمد على قوات متخصصة في حرب العصابات والتصدي للثوار بوسائل علمية مدروسة دقيقة .

ففي باناما، أنشأت وزارة الدفاع الاميركية سنة 1949 مدرسة حربية وسلمتها للجنرال بورتر . وفي هذه المدرسة يتدرب جنود أميركيون من مختلف أنحاء اميركا الجنوبية والشمالية ، على يد ضباط يمنازون بكفاءة علمية عالية ، ويتخرجون متخصصين بالحرب في مناطق أميركا اللاتينية الصعبة الشائكة .

لكن هذه المدرسة ادخلت في السنوات الاخيرة بابا جديدا على منهاجها ، وهو على تدريب الجنود على اصول واساليب حرب العصابات ، لمواجهة موجات الثوار في اميركا اللاتينية . ويستمر التدريب اربعين اسبوعا' ، يخضع خلالها الجنود لاشد وأقصى أنواع التدريب العسكري ، ويضع في الظروف نفسها التي سيتعرض لها حين يواجه رجال العصابات في الجبال والغابات .

كان هؤلاء الجنود ، المدربون على ايدي القبعات الخضر - وهو اللقب الذي يطلق على مدرسة باناما - هم الذين يطاردون غيفارا ، وينصبون له الفخ تلو الفخ ، لايقاعه والقضاء عليه .

واستمرت هذه العملية شهورا، حتى جاء الخريف ، واطل شهر تشرين الاول ، غاذا بالجنرال بارينتوس يعلن للصحافيين ان القوات المسلحة ، وهو يقصد فيها القوات التي تدربت في مدرسة باناما ، تحاصر جماعة من رجال العصابات وعلى رأسها القائد رامون وهو احد اسماء غيفارا المستعارة .

وفال بارينتوس هذه المرة سوف نقبض على 'تشي' ولن يستطيع ان يهرب منا ' .

لكن القوات لم تستطع ان تقبض الا على ثائرين من رجال ' رامون ' اعترفا بأن تشي هو فعلا قائدهما وأنه موجود في مكان ما بالقرب من منطقة فاليغراندي .وقال الرجلان بأن مرض الربو قد اشتد على غيفارا ، ولم يعد يستطيع التنفس الا بصعوبة ، وانه لا يتحرك الا على ظهر بغل ، وهو لا يهتم بشيء ، ويظهر احتقارا بالغا لحياته . وبعد ايام من القبض على الرجلين ، وفي مساء بوم الاحد 8 تشرين الاول ، دارت معركة طاحنة بين القوات المسلحة وبين رجال العصابات في منطقة هيغوبراس بالقرب من فالنغراندي واستبسل الثوار ، وفي النهاية ستة من رجالهم ، وبينهم تشي غيفارا . وتقول بعض الروايات البوليفية عن موت غيفارا ، ومنها رواية القائد الاعلى للقوات البوليفية الجنرال الفريدو اوفاندو ، ان غيفارا قال قبل وفاته ، وهو في ساعات احتضاره الاخيرة: ' انا 'تشي' غيفارا. لقد فشلت '. لكن الكولونيل سانديكو ، وهو الذي قاد الحملة المسلحة ضد غيفارا وثواره ، ذكر أن تشي ظل فاقدا وعيه حتى مات . وهناك رواية اخرى ، نسبتها احدى الصحف البوليفية الى بعض الضباط الذين طاردوا تشي غيفارا ، وتقول ان غيفارا اسر حيا ، وحاول الطبيب معالجته من الجروح التي اصيب بها لكن الالم كان شديدا عليه ، ومرض الربو كان يمنعه من التنفس الا بصعوبة .

وقضى ليلة الاحد في حالة نزاع شديد ، يئن من الاوجاع والزفير ، يطلب من الطبيب أن يعالجه ، حتى قضى عليه الام في صباح الاثنين بعد ان خارت قواه تماما وعجز الطب عن اسعافه . ورواية أخرى تقول ان غيفارا تعرض للتعذيب بعد القاء القبض عليه ، لكنه لم يعترف بشيء بقتله احد الضباط برصاصة سددت الى قلبه . وكما تعددت الروايات حول مقتله ، تعددت الروايات حول طريقة تعقبه والقاء القبض عليه. ومن هذه الروايات ولعلها الاقرب الى الصحة ، ان احد رجال العصابات ، من رفاق ' تشي ' القدامى ، وشى به الى السلطات البوليفية بعد ان أغرته الجائزة التي خصصتها هذه السلطات للقبض على عليه ، وهي في حدود خمسة الاف دولار . وكان مؤلما حقا أن تشي الذي امن طوال حياته بالاخوة الحقيقية والصداقة والاخلاص والتضحية بين البشرية ، وعاش وعاش على هذه الاخوة والصداقة والاخلاص والتضحية ن وتنتهي حياته بان يبيعه رفيق سلاح قديم ، لان المال كان اقوى من القيم والمبادئ التي يمثلها غيفارا او يدعو اليها . ولم تصدق عائلة تشي انه مات . لا الاب ، ولا الشقيق ، ولا أي فرد من افراد العائلة . وما زالوا ينتظرون بين اللحظة والاخرى ان يحمل اليهم البريد ، او صديق من الاصدقاء ، رسالة من الابن المشرد ، يعلن فيها للعالم انه ما زال حيا ، ويسخر ، كعادته من الموت .

منذ اختفائه قتلوا تشي عدة مرات . وفي كل مرة مان ينفض الموت عنه ، ويبدو انه اقوى واصمد .

هذه المرة ، يبدو ان تشي اقتنع انه مات . وان جثته احرقت فعلا ، كما قالت السلطات البوليفية . ولعله استراح ، لعله لم يعد يضايقه زفير الربو ، ولا المطاردة القاسية المستمرة .

مساء الاحد 15 تشرين الاول ، يقف فيديل كاسترو ، رفيق تشي في النضال ، ويعلن في خطاب دام ساعتين ، وبلهجة حزينة حزينة : اننا متأكدون تماما من موت غيفارا . لقد درسنا جميع الوثائق التي تتعلق بموته : الصور ، فقرات يومياته التي نشرت ، الظروف التي رافقت لحظاته الاخيرة وتأكدنا للاسف أن تشي مات فعلا .

وانا لا اعتقد بان للحكومة البوليفية مصلحة في اختراع كذبة كبيرة كهذه ، قد تنكشف بعد ايام قلائل . كان يطارد غيفارا في الاسابيع الاخيرة اكثر من 1500 جندي ، مدربين احسن تدريب ، واسطاع هؤلاء ان يقضوا في النهاية عليه . ثم حاولت السلطات البوليفية القضاء ايضا على اسطورته ، فلفقت العبارات الاخيرة التي زعمت بان تشي تفوه بها ، والتي تعلن فشله . لكن النضال سيستمر بعد موت تشي والحركة الثورية لن تتوقف .

- نبذة عن حياته:

ولد أرنستو تشي جيفارا عام 1928 من عائلة برجوازية أرجنتينية وكان عمره لم يتجاوز العامين عندما اكتشف اهله انه مصاب بمرض الربو . تلقى تعليمه الاساسي بالبيت على يد والدته ( سيرينا لاسيليا دي )، كان جيفارا منذ صغره قارئا لماركس ، انجلز وفرويد حيث توافرت الكتب في مكتبة ابيه بالمنزل . التحق بصفوف مدرسة ( كوليجيو ناسيونال) الثانوية عام 1941 وتفوق في الادب والرياضيات. عايش في تلك الفترة مأساة لاجئي الحرب الاسبانية الاهلية والازمات السياسية المتتابعة في الارجنتين خلال عهد الديكتاتورالفاشي لجوان بيرون. غرست هذه الاحداث في ذهن جيفارا الصغير الاحتقار للمسرحية الديموقراطية البرلمانية وكره السياسين وحكم الاقلية الرأسمالية وقبل ذلك كله حكم واستعباد دولار الولايات المتحدة الامبريالية . خلال ذلك التحق بحركات طلابية لكنه لم يظهر اهتماما ملحوظا بالسياسة التحق بالجامعة حيث درس الطب لفهم مرضه الخاص, لكنه فيما بعد اصبح أكثر اهتمام بمرض الجذام. خرج عام 49 في رحلة يستكشف الأرجنتين الشّماليّة على درّاجة , و للمرّة الأولى يقابل فيها الطبقة الكادحة الفقيرة وقرر الخروج مرة اخرى عام 1951 في رحلة طويلة وطاف قبيل تخرجه من كلية الطب مع صديقه (ألبرتو غراندو) معظم دول أمريكا الجنوبية على الدراجة النارية, فزار إضافة لبلده الأرجنتين , التشيلي وبوليفيا وكولومبيا والإكوادور وبيرو وبنما وعايش معاناة الفلاحين والطبقة الكادحة من العمال وفهم طبيعة الاستغلال الذي يعانيه شعوب الدول المضطهدة وكيف يستغل الرأسمالي حاجة الفقراء ويخضعهم تحت تصرفهم عاد إلى البيت لامتحاناته النّهائيّة متأكّد من شيء واحد فقط, أنه لم يرد أن يصبح ممارس عامّ منتمي للطّبقة الوسطى وكرس نفسه منذ ذلك الحين ثائراً أو محرضاً على الثورة أو شريكاً فيها حيثما أمكن ذلك. فسافر عام 1953 الى المكسيك وهي البلد الأمريكي اللاتيني الأكثر ديموقراطية والتي كانت ملجأ للثوار الأمريكان اللاتين من كل مكان. تعرف على (هيلدا جادي) التي كان لها مخزون ماركسي جيد مما عزّز تعليمه السّياسي, اعتنت به و قدّمته لـ (نيكو لوبيزا) احد ملازمين (فيديل كاسترو) الذي كان في ذلك الوقت يقوم بالهجوم على قلعة موناكو حيث فشل هجومه واعتقل وحوكم وفي اثناء محاكمته اصدر بيانا سياسيا كان بمثابة برنامج سياسي يبين اهداف الحركة الثورية لفيديل ورفاقه . اعجب ارنستو بشخصية فيديل وتمنى مقابلته وهذا ما كان بعد خروج فيديل عام 1955 من المعتقل . ادرك جيفارا قي ذلك الحين انه وجد شخصية القائد الذي كان يبحث عنه. قويت علاقة الرفيقين ببعضهما وقاما بالتخطيط لتحرير كوبا من حكم الدكتاتور باتيستا. انطلق الثائرين ومعهم 80 ثائرا اخر على متن سفينة قاصدين شواطئ كوبا . اثناء ذلك اطلق على جيفارا لقب تشي ( الصديق او الرفيق ).سرعان ما اكتشفتهم قوات ( باتيستا) وهاجمتهم ولم يسلم منهم سوى عشرون ثائراً صعدوا جبال ( السيرامايسترا) واعادوا ترتيب صفوفهم. نجحوا في اقناع الفلاحين والفقراء بضرورة الثورة فأمن ذلك لهم الحماية وان كانت محدودة وسرعان ما اثبتوا جديتهم وتلاحقت انتصاراتهم على جيش باتيستا الى ان وصلوا هافانا واعلنوا نجاح الثورة والقضاء على حكم باتيستا وبعد نجاح الثورة عين جيفارا وزيراً للثورة وقام بزيارة العديد من البلدان والتقى العديد من القادة امثال (جمال عبد الناصر) و(نهرو) و(تيتو) و(سوكارلو) ومن ثم عين وزيراً للصناعة وبعد ذلك وزيراً ورئيسا للمصرف المركزي . وكان بمثابة الرجل الثاني في الدولة بعد فيديل كاستروا . امن منذ البدء بضرورة اعادة هيكلية النظام الاقتصادي لكوبا وفتح المصانع وذلك لسد احتياجات كوبا وعدم لجوئها وخضوعها تحت الهيمنة الامبريالية. وضحت معالم شخصية تشي الماركسية اللينينية وتوجهه نحو سياسة (ماو-تسي يونج) وامن بان الثورة تحضَر في الريف ومن ثم تنطلق الى المدن وخالف بذلك سياسة رفيقه فيديل الذي كان يميل للسياسة الشيوعية الروسية في تلك الفترة .بعد نجاح الثورة في كوبا اثر تشي ان يكمل حلمه في تحرير شعوب العالم النامي ومساعدتهم بالتخلص من الحكم الاستعماري والهيمنة الامبريالية فغادر كوبا تاركاً مناصبه وعائلته متجها الى الكونجو في افريقيا وبعد محاولته لتكوين الجيش الثائر فشل بعد رفض الشعب الافريقي للتعاون معه لاعتباره غريب ولم يقتنعوا باهدافه فكانت تجربة قاسية له ولكنه اثر الا ان يكمل مسيرته فانطلق متجها الى بوليفيا واستطاع هناك ان يكون فرقا ثورية من الفلاحين والعمال والبدء بالثورة الا انه لم يستطع مواجهة الجيش البوليفي الذي كان اقوى ومجهز واحدث من جيش باتيستا وغير ذلك مساعدة النظام الامبريالي الامريكي للحكومة البوليفية فكان الامر شاقاً عليه ومع ذلك استمر الى ان قتل بعد ان القي القبض عليه .اتسم تشي بشخصية سياسية لها منطلقاتها ووجهة نظرها الخاصة فكانت له مواقفه الرافضة للهيمنة السوفيتية على الثورة والتي كانت تميل الى مهادنة النظام الامبريالي فكان يؤكد مرار على ضرورة الثورة ضد الهيمنة والاستغلال فردد باستمرار عبارته الشهيرة( لاحياة خارج الثورة ولتوجد فيتنام ثانية وثالثة واكثر ).نعم فقد كان لتشي اعداء كثر ولعل ذلك يكمن في اسلوبه الصريح في النقد ومهاجمة المخطئ مهما كان.على اية حال فان تشي انتهت حياته علي يد جندي من جنود الجيش البوليفي وكما يقال بتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الامريكية. ولعل سر سحر شخصية تشي يرجع الى تلك المواقف واسلوبه القوي وعناده ورفضه للهيمنة حتى لو كانت من مؤسسة شيوعية كالاتحاد السوفيتي. مهما كان فقد كان تشي الشخصية الاكثر اثارة ومحبة في قلوب الشعوب المضهدة حول العالم وستظل صوره في قلوبنا وعلى صدورنا فاحلامه واحلامنا لاتعرف حدود .

- سقوطه قتيلاً:-

التقطوه وحملوه ووضعوه على طاولة عالية ،ثم قالوا للصحافيين والمصورين والعالم أجمع :

' هذا هو تشي غيفارا... لقد انتصرنا عليه

بدأت المرحلة الاخيرة من المطاردة الني استمرت أكثر من سنتين ،واستعملت الولايات المتحدة مختلف الوسائل للقضاءعلى موجة حرب العصابات التي يقودها 'تشي' غيفارا ، في نيسان 1967 ، بعد ان القت السلطات البوليفية القبض على المفكر الفرنسي الماركسي ريجيس دوبريه ، واتهمته بالتعاون مع غيفارا وأنصاره ، وسجنته وعذبته لتنتزع منه اعترافا بمكان غيفارا . وبعد ذلك بفترة قصيرة ، أعلن رئيس الجمهورية البوليفية الجنرال رونيه بارينتوس بأنه واثق هذه المرة من القبض على غيفارا حيا أو ميتا. ولم يكن بارينتوس يعتمد في عملية مطاردة واصطياد غيفارا على رجاله وحدهم ، ولا على بعض رجال العصابات الذين تخلوا عن غيفارا وحاولوا الكشف عن مكانه ، بل كان يعتمد على قوات متخصصة في حرب العصابات والتصدي للثوار بوسائل علمية مدروسة دقيقة . ففي باناما، أنشأت وزارة الدفاع الاميركية سنة 1949 مدرسة حربية وسلمتها للجنرال بورتر . وفي هذه المدرسة يتدرب جنود أميركيون من مختلف أنحاء اميركا الجنوبية والشمالية ، على يد ضباط يمنازون بكفاءة علمية عالية ، ويتخرجون متخصصين بالحرب في مناطق أميركا اللاتينية الصعبة الشائكة . لكن هذه المدرسة ادخلت في السنوات الاخيرة بابا جديدا على منهاجها ، وهو على تدريب الجنود على اصول واساليب حرب العصابات ، لمواجهة موجات الثوار في اميركا اللاتينية . ويستمر التدريب اربعين اسبوعا' ، يخضع خلالها الجنود لاشد وأقصى أنواع التدريب العسكري ، ويضع في الظروف نفسها التي سيتعرض لها حين يواجه رجال العصابات في الجبال والغابات . كان هؤلاء الجنود ، المدربون على ايدي القبعات الخضر - وهو اللقب الذي يطلق على مدرسة باناما - هم الذين يطاردون غيفارا، وينصبون له الفخ تلو الفخ ، لايقاعه والقضاء عليه. واستمرت هذه العملية شهورا، حتى جاء الخريف ، واطل شهر تشرين الأول ، فإذا بالجنرال بارينتوس يعلن للصحافيين ان القوات المسلحة ، وهو يقصد فيها القوات التي تدربت في مدرسة باناما ، تحاصر جماعة من رجال العصابات وعلى رأسها القائد رامون وهو احد اسماء غيفارا المستعارة. وقال بارينتوس هذه المرة سوف نقبض على 'تشي' ولن يستطيع ان يهرب منا '. لكن القوات لم تستطع ان تقبض الا على ثائرين من رجال ' رامون ' اعترفا بأن تشي هو فعلا قائدهما وأنه موجود في مكان ما بالقرب من منطقة ( فاليغراندي) .وقال الرجلان بأن مرض الربو قد اشتد على غيفارا ، ولم يعد يستطيع التنفس الا بصعوبة ، وانه لا يتحرك الا على ظهر بغل ، وهو لا يهتم بشيء ، ويظهر احتقارا بالغا لحياته. وبعد ايام من القبض على الرجلين ، وفي مساء بوم الاحد 8 تشرين الاول ، دارت معركة طاحنة بين القوات المسلحة وبين رجال العصابات في منطقة (هيغوبراس) بالقرب من فالنغراندي واستبسل الثوار ، وفي النهاية ستة من رجالهم ، وبينهم تشي غيفارا. وتقول بعض الروايات البوليفية عن موت غيفارا ، ومنها رواية القائد الاعلى للقوات البوليفية الجنرال الفريدو اوفاندو ، ان غيفارا قال قبل وفاته ، وهو في ساعات احتضاره الاخيرة: ' انا تشي غيفارا. لقد فشلت '. لكن الكولونيل سانديكو ، وهو الذي قاد الحملة المسلحة ضد غيفارا وثواره ، ذكر أن تشي ظل فاقدا وعيه حتى مات. وهناك رواية اخرى ، نسبتها احدى الصحف البوليفية الى بعض الضباط الذين طاردوا تشي غيفارا ، وتقول ان غيفارا اسر حياً ، وحاول الطبيب معالجته من الجروح التي اصيب بها لكن الالم كان شديدا عليه ، ومرض الربو كان يمنعه من التنفس الا بصعوبة. وقضى ليلة الاحد في حالة نزاع شديد ، يئن من الاوجاع والزفير ، يطلب من الطبيب أن يعالجه ، حتى قضى عليه الألم في صباح الاثنين بعد ان خارت قواه تماما وعجز الطب عن اسعافه. ورواية أخرى تقول ان غيفارا تعرض للتعذيب بعد القاء القبض عليه ، لكنه لم يعترف بشيء بقتله احد الضباط برصاصة سددت الى قلبه. وكما تعددت الروايات حول مقتله ، تعددت الروايات حول طريقة تعقبه والقاء القبض عليه. ومن هذه الروايات ولعلها الاقرب الى الصحة ، ان احد رجال العصابات ، من رفاق ' تشي ' القدامى ، وشى به الى السلطات البوليفية بعد ان أغرته الجائزة التي خصصتها هذه السلطات للقبض على عليه ، وهي في حدود خمسة الاف دولار . وكان مؤلما حقا أن تشي الذي امن طوال حياته بالاخوة الحقيقية والصداقة والاخلاص والتضحية بين البشرية ، وعاش وعاش على هذه الاخوة والصداقة والاخلاص والتضحية ن وتنتهي حياته بان يبيعه رفيق سلاح قديم ، لان المال كان اقوى من القيم والمبادئ التي يمثلها غيفارا او يدعو اليها . ولم تصدق عائلة تشي انه مات . لا الاب ، ولا الشقيق ، ولا أي فرد من افراد العائلة . وما زالوا ينتظرون بين اللحظة والاخرى ان يحمل اليهم البريد ، او صديق من الاصدقاء ، رسالة من الابن المشرد ، يعلن فيها للعالم انه ما زال حياً ، ويسخر ، كعادته من الموت . منذ اختفائه قتلوا تشي عدة مرات . وفي كل مرة مان ينفض الموت عنه ، ويبدو انه اقوى واصمد . هذه المرة ، يبدو ان تشي اقتنع انه مات . وان جثته احرقت فعلا ، كما قالت السلطات البوليفية . ولعله استراح ، لله لم يعد يضايقه زفير الربو ، ولا المطاردة القاسية المستمرة . مساء الاحد 15 تشرين الاول ، يقف فيديل كاسترو ، رفيق تشي في النضال ، ويعلن في خطاب دام ساعتين ، وبلهجة حزينة حزينة : اننا متأكدون تماما من موت غيفارا . لقد درسنا جميع الوثائق التي تتعلق بموته : الصور ، فقرات يومياته التي نشرت ، الظروف التي رافقت لحظاته الاخيرة وتأكدنا للاسف أن تشي مات فعلا. وانا لا اعتقد بان للحكومة البوليفية مصلحة في اختراع كذبة كبيرة كهذه ، قد تنكشف بعد ايام قلائل . كان يطارد غيفارا في الاسابيع الاخيرة اكثر من 1500 جندي ، مدربين احسن تدريب ، واسطاع هؤلاء ان يقضوا في النهاية عليه . ثم حاولت السلطات البوليفية القضاء ايضا على اسطورته ، فلفقت العبارات الاخيرة التي زعمت بان تشي تفوه بها ، والتي تعلن فشله. لكن النضال سيستمر بعد موت تشي والحركة الثورية لن تتوقف .