viernes, 7 de mayo de 2010

ارنستوا تشي جيفارا


ارنستوا تشي جيفارا

(14-5-1928) - (8-10-1967)

نشر فليكس رودريجيس، العميل السابق لجهاز المخابرات الأميركية (CIA) من طريق الشبكة العنكبوتية صوراً لا سابق لها عن إعدام تشي جيفارا. وتمثل هذه الصور آخر لحظات حياة هذا الثوري الأرجنتيني قبل إعدامه بالرصاص ب'لا هيغويرا' في غابة 'فالي غراندي' ببوليفيا، في 9 أكتوبر(تشرين الأول) من عام 1967. وتظهر الصور كيفية أسر تشي جيفارا، واستلقائه على الأرض، وعيناه شبه المغلقتان ووجهه المورم والأرض الملطخة بدمه بعد إعدامه. كما تنهي الصور كل الإشاعات حول مقتل تشي جيفارا أثناء معارك طاحنة مع الجيش البوليفي. وقبيل عدة شهور، كشف السيد فليكس رودريجيس النقاب عن أن أيدي تشي جيفارا بُترت من أجل التعرٌف على بصمات أيديه.

..........

- لحظة الفراق .

' سأقضي ما تبقى من أيام حياتي أبحث عن جثته . في كل مكان : في كوبا في فنزويلا ، في بوليفيا ، لا يهم . فأنا لا أصدق إنهم استطاعوا القضاء عليه وأنا لا اصدق انه مات ولا أصدق إنهم أحرقوه .' لم يصدق الوالد أنه مات كان يتصور أن الموت يهرب من تشي وأنه سئم مطاردته . وكان الموت بالنسبة الى 'تشي' الحقيقة اليومية يرافقه خطوة خطوة كالربو والزفير والشعلة المتململة والنوم . كان ينام بالقرب من أحلامه ، يشاطره في أحلامه ، ينافسه في أحلامه . مرة ، قال لرفيق له كان يقاتل بجانبه في الأدغال ، والرصاص ينهال عليهما :

-'أتدري كيف اتمنى ان أموت ؟كما تمنى قصة بطل 'جاك لندن ' . ادرك انه سيتجمد حتى الموت في أراضي الاسكا البيضاء المقفرة ،فاستند بهدوء الى شجرة ، واستعد لمواجهة الموت بصمت وكبرياء . كم اتمنى الان لو استريح على جذع شجرة ،ليهدأ الزفير داخلي ، وأموت ، بعد ان أفرغ رصاص بندقيتي في الجنود القادمين من وراء هذه الأشجار . ' كان ذلك سنة 1957 ، قبل الدخول الى المدينة والانتصار . ومرة ، قال لكاسترو ، في الرسالة الاخيرة التي وجهها اليه:

- ذات يوم ، سئلنا عن الشخص الذي ينبغي انذاره ام اعلامه عند موت أحدنا .

وفوجئنا جميعا بهذه الإمكانية الحقيقية . ثم ادركنا ان الثائر الحقيقي 'اما أن ينتصر او يموت . وكثيرون سقطوا في طريق النصر الطويل . '

كان ذلك سنة 1965 .

ومرة ثالثة ، قال في البيان الثوري الذي وزعه في نيسان 1967 :

-' لا يهمني متى واين سأموت .'

لكن يهمني إن يبقى الثوار منتصبين ، يملأون الأرض ضجيجا ، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين .

ثم سقط أخيرا في الخريف ، مع سقوط أوراق الأشجار التعبة .

لكنه لم يحقق أمنيته التي رددها أمام صديق له في فترة النضال الأولى: لم يمت وهو مستند الى الشجرة ، بل سقط مجندلا في واد صغير ضيق ، بتسع رصاصات ، ربما أقل ،ربما أكثر . والتقطوه وحملوه ووضعوه على طاولة عالية ،ثم قالوا للصحافيين والمصورين والعالم أجمع :

'- هذا هو 'تشي' غيفارا . لقد انتصرنا عليه .'

بدأت المرحلة الاخيرة من المطاردة الني استمرت أكثر من سنتين ،واستعملت الولايات المتحدة مختلف الوسائل للقضاء على موجة حرب العصابات التي يقودها 'تشي' غيفارا ، في نيسان 1967 ، بعد ان القت السلطات البوليفية القبض على المفكؤ الفرنسي الماركسي ريجيس دوبريه ، واتهمته بالتعاون مع غيفارا وأنصاره ، وسجنته وعذبته لتنتزع منه اعترافا بمكان غيفارا .

وبعد ذلك بفترة قصيرة ، أعلن رئيس الجمهورية البوليفية الجنرال رونيه بارينتوس بأنه واثق هذه المرة من القبض على غيفارا حيا أو ميتا .

ولم يكن بارينتوس يعتمد في عملية مطاردة واصطياد غيفارا على رجاله وحدهم ، ولا على بعض رجال العصابات الذين تخلوا عن غيفارا وحاولوا الكشف عن مكانه ، بل كان يعتمد على قوات متخصصة في حرب العصابات والتصدي للثوار بوسائل علمية مدروسة دقيقة .

ففي باناما، أنشأت وزارة الدفاع الاميركية سنة 1949 مدرسة حربية وسلمتها للجنرال بورتر . وفي هذه المدرسة يتدرب جنود أميركيون من مختلف أنحاء اميركا الجنوبية والشمالية ، على يد ضباط يمنازون بكفاءة علمية عالية ، ويتخرجون متخصصين بالحرب في مناطق أميركا اللاتينية الصعبة الشائكة .

لكن هذه المدرسة ادخلت في السنوات الاخيرة بابا جديدا على منهاجها ، وهو على تدريب الجنود على اصول واساليب حرب العصابات ، لمواجهة موجات الثوار في اميركا اللاتينية . ويستمر التدريب اربعين اسبوعا' ، يخضع خلالها الجنود لاشد وأقصى أنواع التدريب العسكري ، ويضع في الظروف نفسها التي سيتعرض لها حين يواجه رجال العصابات في الجبال والغابات .

كان هؤلاء الجنود ، المدربون على ايدي القبعات الخضر - وهو اللقب الذي يطلق على مدرسة باناما - هم الذين يطاردون غيفارا ، وينصبون له الفخ تلو الفخ ، لايقاعه والقضاء عليه .

واستمرت هذه العملية شهورا، حتى جاء الخريف ، واطل شهر تشرين الاول ، غاذا بالجنرال بارينتوس يعلن للصحافيين ان القوات المسلحة ، وهو يقصد فيها القوات التي تدربت في مدرسة باناما ، تحاصر جماعة من رجال العصابات وعلى رأسها القائد رامون وهو احد اسماء غيفارا المستعارة .

وفال بارينتوس هذه المرة سوف نقبض على 'تشي' ولن يستطيع ان يهرب منا ' .

لكن القوات لم تستطع ان تقبض الا على ثائرين من رجال ' رامون ' اعترفا بأن تشي هو فعلا قائدهما وأنه موجود في مكان ما بالقرب من منطقة فاليغراندي .وقال الرجلان بأن مرض الربو قد اشتد على غيفارا ، ولم يعد يستطيع التنفس الا بصعوبة ، وانه لا يتحرك الا على ظهر بغل ، وهو لا يهتم بشيء ، ويظهر احتقارا بالغا لحياته . وبعد ايام من القبض على الرجلين ، وفي مساء بوم الاحد 8 تشرين الاول ، دارت معركة طاحنة بين القوات المسلحة وبين رجال العصابات في منطقة هيغوبراس بالقرب من فالنغراندي واستبسل الثوار ، وفي النهاية ستة من رجالهم ، وبينهم تشي غيفارا . وتقول بعض الروايات البوليفية عن موت غيفارا ، ومنها رواية القائد الاعلى للقوات البوليفية الجنرال الفريدو اوفاندو ، ان غيفارا قال قبل وفاته ، وهو في ساعات احتضاره الاخيرة: ' انا 'تشي' غيفارا. لقد فشلت '. لكن الكولونيل سانديكو ، وهو الذي قاد الحملة المسلحة ضد غيفارا وثواره ، ذكر أن تشي ظل فاقدا وعيه حتى مات . وهناك رواية اخرى ، نسبتها احدى الصحف البوليفية الى بعض الضباط الذين طاردوا تشي غيفارا ، وتقول ان غيفارا اسر حيا ، وحاول الطبيب معالجته من الجروح التي اصيب بها لكن الالم كان شديدا عليه ، ومرض الربو كان يمنعه من التنفس الا بصعوبة .

وقضى ليلة الاحد في حالة نزاع شديد ، يئن من الاوجاع والزفير ، يطلب من الطبيب أن يعالجه ، حتى قضى عليه الام في صباح الاثنين بعد ان خارت قواه تماما وعجز الطب عن اسعافه . ورواية أخرى تقول ان غيفارا تعرض للتعذيب بعد القاء القبض عليه ، لكنه لم يعترف بشيء بقتله احد الضباط برصاصة سددت الى قلبه . وكما تعددت الروايات حول مقتله ، تعددت الروايات حول طريقة تعقبه والقاء القبض عليه. ومن هذه الروايات ولعلها الاقرب الى الصحة ، ان احد رجال العصابات ، من رفاق ' تشي ' القدامى ، وشى به الى السلطات البوليفية بعد ان أغرته الجائزة التي خصصتها هذه السلطات للقبض على عليه ، وهي في حدود خمسة الاف دولار . وكان مؤلما حقا أن تشي الذي امن طوال حياته بالاخوة الحقيقية والصداقة والاخلاص والتضحية بين البشرية ، وعاش وعاش على هذه الاخوة والصداقة والاخلاص والتضحية ن وتنتهي حياته بان يبيعه رفيق سلاح قديم ، لان المال كان اقوى من القيم والمبادئ التي يمثلها غيفارا او يدعو اليها . ولم تصدق عائلة تشي انه مات . لا الاب ، ولا الشقيق ، ولا أي فرد من افراد العائلة . وما زالوا ينتظرون بين اللحظة والاخرى ان يحمل اليهم البريد ، او صديق من الاصدقاء ، رسالة من الابن المشرد ، يعلن فيها للعالم انه ما زال حيا ، ويسخر ، كعادته من الموت .

منذ اختفائه قتلوا تشي عدة مرات . وفي كل مرة مان ينفض الموت عنه ، ويبدو انه اقوى واصمد .

هذه المرة ، يبدو ان تشي اقتنع انه مات . وان جثته احرقت فعلا ، كما قالت السلطات البوليفية . ولعله استراح ، لعله لم يعد يضايقه زفير الربو ، ولا المطاردة القاسية المستمرة .

مساء الاحد 15 تشرين الاول ، يقف فيديل كاسترو ، رفيق تشي في النضال ، ويعلن في خطاب دام ساعتين ، وبلهجة حزينة حزينة : اننا متأكدون تماما من موت غيفارا . لقد درسنا جميع الوثائق التي تتعلق بموته : الصور ، فقرات يومياته التي نشرت ، الظروف التي رافقت لحظاته الاخيرة وتأكدنا للاسف أن تشي مات فعلا .

وانا لا اعتقد بان للحكومة البوليفية مصلحة في اختراع كذبة كبيرة كهذه ، قد تنكشف بعد ايام قلائل . كان يطارد غيفارا في الاسابيع الاخيرة اكثر من 1500 جندي ، مدربين احسن تدريب ، واسطاع هؤلاء ان يقضوا في النهاية عليه . ثم حاولت السلطات البوليفية القضاء ايضا على اسطورته ، فلفقت العبارات الاخيرة التي زعمت بان تشي تفوه بها ، والتي تعلن فشله . لكن النضال سيستمر بعد موت تشي والحركة الثورية لن تتوقف .

- نبذة عن حياته:

ولد أرنستو تشي جيفارا عام 1928 من عائلة برجوازية أرجنتينية وكان عمره لم يتجاوز العامين عندما اكتشف اهله انه مصاب بمرض الربو . تلقى تعليمه الاساسي بالبيت على يد والدته ( سيرينا لاسيليا دي )، كان جيفارا منذ صغره قارئا لماركس ، انجلز وفرويد حيث توافرت الكتب في مكتبة ابيه بالمنزل . التحق بصفوف مدرسة ( كوليجيو ناسيونال) الثانوية عام 1941 وتفوق في الادب والرياضيات. عايش في تلك الفترة مأساة لاجئي الحرب الاسبانية الاهلية والازمات السياسية المتتابعة في الارجنتين خلال عهد الديكتاتورالفاشي لجوان بيرون. غرست هذه الاحداث في ذهن جيفارا الصغير الاحتقار للمسرحية الديموقراطية البرلمانية وكره السياسين وحكم الاقلية الرأسمالية وقبل ذلك كله حكم واستعباد دولار الولايات المتحدة الامبريالية . خلال ذلك التحق بحركات طلابية لكنه لم يظهر اهتماما ملحوظا بالسياسة التحق بالجامعة حيث درس الطب لفهم مرضه الخاص, لكنه فيما بعد اصبح أكثر اهتمام بمرض الجذام. خرج عام 49 في رحلة يستكشف الأرجنتين الشّماليّة على درّاجة , و للمرّة الأولى يقابل فيها الطبقة الكادحة الفقيرة وقرر الخروج مرة اخرى عام 1951 في رحلة طويلة وطاف قبيل تخرجه من كلية الطب مع صديقه (ألبرتو غراندو) معظم دول أمريكا الجنوبية على الدراجة النارية, فزار إضافة لبلده الأرجنتين , التشيلي وبوليفيا وكولومبيا والإكوادور وبيرو وبنما وعايش معاناة الفلاحين والطبقة الكادحة من العمال وفهم طبيعة الاستغلال الذي يعانيه شعوب الدول المضطهدة وكيف يستغل الرأسمالي حاجة الفقراء ويخضعهم تحت تصرفهم عاد إلى البيت لامتحاناته النّهائيّة متأكّد من شيء واحد فقط, أنه لم يرد أن يصبح ممارس عامّ منتمي للطّبقة الوسطى وكرس نفسه منذ ذلك الحين ثائراً أو محرضاً على الثورة أو شريكاً فيها حيثما أمكن ذلك. فسافر عام 1953 الى المكسيك وهي البلد الأمريكي اللاتيني الأكثر ديموقراطية والتي كانت ملجأ للثوار الأمريكان اللاتين من كل مكان. تعرف على (هيلدا جادي) التي كان لها مخزون ماركسي جيد مما عزّز تعليمه السّياسي, اعتنت به و قدّمته لـ (نيكو لوبيزا) احد ملازمين (فيديل كاسترو) الذي كان في ذلك الوقت يقوم بالهجوم على قلعة موناكو حيث فشل هجومه واعتقل وحوكم وفي اثناء محاكمته اصدر بيانا سياسيا كان بمثابة برنامج سياسي يبين اهداف الحركة الثورية لفيديل ورفاقه . اعجب ارنستو بشخصية فيديل وتمنى مقابلته وهذا ما كان بعد خروج فيديل عام 1955 من المعتقل . ادرك جيفارا قي ذلك الحين انه وجد شخصية القائد الذي كان يبحث عنه. قويت علاقة الرفيقين ببعضهما وقاما بالتخطيط لتحرير كوبا من حكم الدكتاتور باتيستا. انطلق الثائرين ومعهم 80 ثائرا اخر على متن سفينة قاصدين شواطئ كوبا . اثناء ذلك اطلق على جيفارا لقب تشي ( الصديق او الرفيق ).سرعان ما اكتشفتهم قوات ( باتيستا) وهاجمتهم ولم يسلم منهم سوى عشرون ثائراً صعدوا جبال ( السيرامايسترا) واعادوا ترتيب صفوفهم. نجحوا في اقناع الفلاحين والفقراء بضرورة الثورة فأمن ذلك لهم الحماية وان كانت محدودة وسرعان ما اثبتوا جديتهم وتلاحقت انتصاراتهم على جيش باتيستا الى ان وصلوا هافانا واعلنوا نجاح الثورة والقضاء على حكم باتيستا وبعد نجاح الثورة عين جيفارا وزيراً للثورة وقام بزيارة العديد من البلدان والتقى العديد من القادة امثال (جمال عبد الناصر) و(نهرو) و(تيتو) و(سوكارلو) ومن ثم عين وزيراً للصناعة وبعد ذلك وزيراً ورئيسا للمصرف المركزي . وكان بمثابة الرجل الثاني في الدولة بعد فيديل كاستروا . امن منذ البدء بضرورة اعادة هيكلية النظام الاقتصادي لكوبا وفتح المصانع وذلك لسد احتياجات كوبا وعدم لجوئها وخضوعها تحت الهيمنة الامبريالية. وضحت معالم شخصية تشي الماركسية اللينينية وتوجهه نحو سياسة (ماو-تسي يونج) وامن بان الثورة تحضَر في الريف ومن ثم تنطلق الى المدن وخالف بذلك سياسة رفيقه فيديل الذي كان يميل للسياسة الشيوعية الروسية في تلك الفترة .بعد نجاح الثورة في كوبا اثر تشي ان يكمل حلمه في تحرير شعوب العالم النامي ومساعدتهم بالتخلص من الحكم الاستعماري والهيمنة الامبريالية فغادر كوبا تاركاً مناصبه وعائلته متجها الى الكونجو في افريقيا وبعد محاولته لتكوين الجيش الثائر فشل بعد رفض الشعب الافريقي للتعاون معه لاعتباره غريب ولم يقتنعوا باهدافه فكانت تجربة قاسية له ولكنه اثر الا ان يكمل مسيرته فانطلق متجها الى بوليفيا واستطاع هناك ان يكون فرقا ثورية من الفلاحين والعمال والبدء بالثورة الا انه لم يستطع مواجهة الجيش البوليفي الذي كان اقوى ومجهز واحدث من جيش باتيستا وغير ذلك مساعدة النظام الامبريالي الامريكي للحكومة البوليفية فكان الامر شاقاً عليه ومع ذلك استمر الى ان قتل بعد ان القي القبض عليه .اتسم تشي بشخصية سياسية لها منطلقاتها ووجهة نظرها الخاصة فكانت له مواقفه الرافضة للهيمنة السوفيتية على الثورة والتي كانت تميل الى مهادنة النظام الامبريالي فكان يؤكد مرار على ضرورة الثورة ضد الهيمنة والاستغلال فردد باستمرار عبارته الشهيرة( لاحياة خارج الثورة ولتوجد فيتنام ثانية وثالثة واكثر ).نعم فقد كان لتشي اعداء كثر ولعل ذلك يكمن في اسلوبه الصريح في النقد ومهاجمة المخطئ مهما كان.على اية حال فان تشي انتهت حياته علي يد جندي من جنود الجيش البوليفي وكما يقال بتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الامريكية. ولعل سر سحر شخصية تشي يرجع الى تلك المواقف واسلوبه القوي وعناده ورفضه للهيمنة حتى لو كانت من مؤسسة شيوعية كالاتحاد السوفيتي. مهما كان فقد كان تشي الشخصية الاكثر اثارة ومحبة في قلوب الشعوب المضهدة حول العالم وستظل صوره في قلوبنا وعلى صدورنا فاحلامه واحلامنا لاتعرف حدود .

- سقوطه قتيلاً:-

التقطوه وحملوه ووضعوه على طاولة عالية ،ثم قالوا للصحافيين والمصورين والعالم أجمع :

' هذا هو تشي غيفارا... لقد انتصرنا عليه

بدأت المرحلة الاخيرة من المطاردة الني استمرت أكثر من سنتين ،واستعملت الولايات المتحدة مختلف الوسائل للقضاءعلى موجة حرب العصابات التي يقودها 'تشي' غيفارا ، في نيسان 1967 ، بعد ان القت السلطات البوليفية القبض على المفكر الفرنسي الماركسي ريجيس دوبريه ، واتهمته بالتعاون مع غيفارا وأنصاره ، وسجنته وعذبته لتنتزع منه اعترافا بمكان غيفارا . وبعد ذلك بفترة قصيرة ، أعلن رئيس الجمهورية البوليفية الجنرال رونيه بارينتوس بأنه واثق هذه المرة من القبض على غيفارا حيا أو ميتا. ولم يكن بارينتوس يعتمد في عملية مطاردة واصطياد غيفارا على رجاله وحدهم ، ولا على بعض رجال العصابات الذين تخلوا عن غيفارا وحاولوا الكشف عن مكانه ، بل كان يعتمد على قوات متخصصة في حرب العصابات والتصدي للثوار بوسائل علمية مدروسة دقيقة . ففي باناما، أنشأت وزارة الدفاع الاميركية سنة 1949 مدرسة حربية وسلمتها للجنرال بورتر . وفي هذه المدرسة يتدرب جنود أميركيون من مختلف أنحاء اميركا الجنوبية والشمالية ، على يد ضباط يمنازون بكفاءة علمية عالية ، ويتخرجون متخصصين بالحرب في مناطق أميركا اللاتينية الصعبة الشائكة . لكن هذه المدرسة ادخلت في السنوات الاخيرة بابا جديدا على منهاجها ، وهو على تدريب الجنود على اصول واساليب حرب العصابات ، لمواجهة موجات الثوار في اميركا اللاتينية . ويستمر التدريب اربعين اسبوعا' ، يخضع خلالها الجنود لاشد وأقصى أنواع التدريب العسكري ، ويضع في الظروف نفسها التي سيتعرض لها حين يواجه رجال العصابات في الجبال والغابات . كان هؤلاء الجنود ، المدربون على ايدي القبعات الخضر - وهو اللقب الذي يطلق على مدرسة باناما - هم الذين يطاردون غيفارا، وينصبون له الفخ تلو الفخ ، لايقاعه والقضاء عليه. واستمرت هذه العملية شهورا، حتى جاء الخريف ، واطل شهر تشرين الأول ، فإذا بالجنرال بارينتوس يعلن للصحافيين ان القوات المسلحة ، وهو يقصد فيها القوات التي تدربت في مدرسة باناما ، تحاصر جماعة من رجال العصابات وعلى رأسها القائد رامون وهو احد اسماء غيفارا المستعارة. وقال بارينتوس هذه المرة سوف نقبض على 'تشي' ولن يستطيع ان يهرب منا '. لكن القوات لم تستطع ان تقبض الا على ثائرين من رجال ' رامون ' اعترفا بأن تشي هو فعلا قائدهما وأنه موجود في مكان ما بالقرب من منطقة ( فاليغراندي) .وقال الرجلان بأن مرض الربو قد اشتد على غيفارا ، ولم يعد يستطيع التنفس الا بصعوبة ، وانه لا يتحرك الا على ظهر بغل ، وهو لا يهتم بشيء ، ويظهر احتقارا بالغا لحياته. وبعد ايام من القبض على الرجلين ، وفي مساء بوم الاحد 8 تشرين الاول ، دارت معركة طاحنة بين القوات المسلحة وبين رجال العصابات في منطقة (هيغوبراس) بالقرب من فالنغراندي واستبسل الثوار ، وفي النهاية ستة من رجالهم ، وبينهم تشي غيفارا. وتقول بعض الروايات البوليفية عن موت غيفارا ، ومنها رواية القائد الاعلى للقوات البوليفية الجنرال الفريدو اوفاندو ، ان غيفارا قال قبل وفاته ، وهو في ساعات احتضاره الاخيرة: ' انا تشي غيفارا. لقد فشلت '. لكن الكولونيل سانديكو ، وهو الذي قاد الحملة المسلحة ضد غيفارا وثواره ، ذكر أن تشي ظل فاقدا وعيه حتى مات. وهناك رواية اخرى ، نسبتها احدى الصحف البوليفية الى بعض الضباط الذين طاردوا تشي غيفارا ، وتقول ان غيفارا اسر حياً ، وحاول الطبيب معالجته من الجروح التي اصيب بها لكن الالم كان شديدا عليه ، ومرض الربو كان يمنعه من التنفس الا بصعوبة. وقضى ليلة الاحد في حالة نزاع شديد ، يئن من الاوجاع والزفير ، يطلب من الطبيب أن يعالجه ، حتى قضى عليه الألم في صباح الاثنين بعد ان خارت قواه تماما وعجز الطب عن اسعافه. ورواية أخرى تقول ان غيفارا تعرض للتعذيب بعد القاء القبض عليه ، لكنه لم يعترف بشيء بقتله احد الضباط برصاصة سددت الى قلبه. وكما تعددت الروايات حول مقتله ، تعددت الروايات حول طريقة تعقبه والقاء القبض عليه. ومن هذه الروايات ولعلها الاقرب الى الصحة ، ان احد رجال العصابات ، من رفاق ' تشي ' القدامى ، وشى به الى السلطات البوليفية بعد ان أغرته الجائزة التي خصصتها هذه السلطات للقبض على عليه ، وهي في حدود خمسة الاف دولار . وكان مؤلما حقا أن تشي الذي امن طوال حياته بالاخوة الحقيقية والصداقة والاخلاص والتضحية بين البشرية ، وعاش وعاش على هذه الاخوة والصداقة والاخلاص والتضحية ن وتنتهي حياته بان يبيعه رفيق سلاح قديم ، لان المال كان اقوى من القيم والمبادئ التي يمثلها غيفارا او يدعو اليها . ولم تصدق عائلة تشي انه مات . لا الاب ، ولا الشقيق ، ولا أي فرد من افراد العائلة . وما زالوا ينتظرون بين اللحظة والاخرى ان يحمل اليهم البريد ، او صديق من الاصدقاء ، رسالة من الابن المشرد ، يعلن فيها للعالم انه ما زال حياً ، ويسخر ، كعادته من الموت . منذ اختفائه قتلوا تشي عدة مرات . وفي كل مرة مان ينفض الموت عنه ، ويبدو انه اقوى واصمد . هذه المرة ، يبدو ان تشي اقتنع انه مات . وان جثته احرقت فعلا ، كما قالت السلطات البوليفية . ولعله استراح ، لله لم يعد يضايقه زفير الربو ، ولا المطاردة القاسية المستمرة . مساء الاحد 15 تشرين الاول ، يقف فيديل كاسترو ، رفيق تشي في النضال ، ويعلن في خطاب دام ساعتين ، وبلهجة حزينة حزينة : اننا متأكدون تماما من موت غيفارا . لقد درسنا جميع الوثائق التي تتعلق بموته : الصور ، فقرات يومياته التي نشرت ، الظروف التي رافقت لحظاته الاخيرة وتأكدنا للاسف أن تشي مات فعلا. وانا لا اعتقد بان للحكومة البوليفية مصلحة في اختراع كذبة كبيرة كهذه ، قد تنكشف بعد ايام قلائل . كان يطارد غيفارا في الاسابيع الاخيرة اكثر من 1500 جندي ، مدربين احسن تدريب ، واسطاع هؤلاء ان يقضوا في النهاية عليه . ثم حاولت السلطات البوليفية القضاء ايضا على اسطورته ، فلفقت العبارات الاخيرة التي زعمت بان تشي تفوه بها ، والتي تعلن فشله. لكن النضال سيستمر بعد موت تشي والحركة الثورية لن تتوقف .

مذكرات عبدا الله الزيري القرن الحادي عشر الميلادي بضمير المتكلم ترجمة إدريس الجبروني



الترجمة الاسبانية لكتاب /


مذكرات عبدا الله الزيري


القرن الحادي عشر الميلادي بضمير المتكلم



بقلم : ميرسيديس غرثياأرينال


ترجمة إدريس الجبروني


لقد مثل القرن الحادي عشر الميلادي انهيار حكم الخلافة الأموية بقرطبة، وظهر على إثر هذا التفكك عدد لا يحصى من الإمارات التي أطلق عليها "دول الطوائف"، كما برز على المستوى السياسي والعسكري أشخاصا مجهولين أسسوا عدة ممالك، وكانت العلاقة بينها – تتأرجح بين علاقة تبعية متبادلة وتنافر وخصومة مفتوحة – وبين الممالك المسيحية بشمال إسبانيا قد جعلت من الأندلس في القرن الحادي عشر الميلادي


عبارة عن فسيفساء تاريخية فاتنة.


ومع ذلك لم ينتج عن هذه التجزئة السياسية تدهور وانحطاط اقتصادي وثقافي، بل استمر النمو الاقتصادي والتجاري البارز الذي كان قد بدأ أيام الأمويين بقرطبة، وقد نجا هذا الاقتصاد من الخسارات التي سببتها الحرب الأهلية التي وقعت ما بين 1010 – 1013م بين العرب والبربر، لم يتكيف الاقتصاد القروي والحضري مع الوضعية السياسية الجديدة وحسب بل حقق حيوية عجيبة. واستعمل الغنى المتنامي لتموين الحروب الدائمة، والقوات الإفريقية، وأداء الجزية لـ "الفونسو السادس"، والبلاط الأدبي. وبالفعل فإن الأندلس بلغت عندئذ أعلى مستوى فكري في تاريخها، كما أن النشاط الفني والأدبي بلغ ذروته : إنها فترة ازدهار ثقافي لا مثيل لها، حيث تحولت كل مدينة إلى قرطبة صغيرة، وأصبح كل حاكم نصيرا وحاميا للآداب والفنون الجميلة، أو شاعر كبير مثل المعتمد بن عباد، ملك اشبيلية، أو المعتصم بألميرية.


ومن جهة أخرى، إن القرن الحادي عشر، كما وصفه "رامون مينينديث بدال" يعتبر أغنى قرن في تاريخ إسبانيا في الحركة الشديدة والحاسمة الحاسمة، أي "إسبانيا سيد"، وإذا أردنا الدقة أكثر : "إسبانيا الفونسو السادس"، حيث تم توطيد نفوذ وسيطرة قشتالة. إن هذا القرن كان فريدا من حيث البروز والتعقيد التاريخي فيما يرجع إلى إسبانيا المسلمة، وفي غياب المصادر التاريخية يمكن القول، لعله القرن الذي يعرف أسوؤ معرفة، لدرجة أننا لا نعثر على دراسة تاريخية تركيبية وتحليلية عن عهد دول الطوائف. إن "تاريخ إسبانيا المسلمة" الذي ألفه "ليفي بروفانسال"، هذا العمل المترجم إلى الإسبانية يضم مجلدين مخصصين لتاريخ الأندلس ضمن "تاريخ إسبانيا" الذي أشرف عليه "مينينديث بيدال" يتوقف عند سقوط حكم الخلافة بالأندلس. وضمن هذا الفقر العام للمراجع التاريخية تبرز حالة غرناطة، التي تخرج اليوم لأول مرة من الظلام التاريخي بفضل عائلة بربرية، وهي عائلة الزيري والفضل هنا يرجع إلى مصدرين تاريخيين من أهم المصادر.


المصدر الأول هو ديوان شعر لليهودي الغرناطي "صمويل ابن نغرلة" الذي عمل وزيرا مع أميرين زيرين بالتتالي، وتمدنا قصائده بأخبار تاريخية (نشر الديوان د.س. ساسون بلندن سنة 1934، وقدم دراسة عن مضمونه التاريخي 5 شيرمان).


أما المصدر الثاني، وهو أكثر أهمية من وجهة النظر التاريخية فهو كتاب مذكرات عبد الله الزيري آخر ملك من العائلية الملكية الزيرية، الذي حكم من سنة 467 هـ إلى سنة 483 هـ (1.075 – 1.090) وهي نفس السنة التي تم فيها خلعه من طرف المرابطين ونفيه جنوب المغرب، وبأغمات، إلى جانب أشهر ملوك الطوائف المعتمد بن عباد. يظهر أنه تمتع في هذا المنفى بحياة مرضية سارة، عكس المعتمد، وكتب عن أسلافه وعن نفسه وعن فترة حكمه. إن هذا الكتاب هو سيرة ذاتية، واحد من ثلاثة كتب صدرت من هذا الجنس إلى جانب كتاب "التعريف" لابن خلدون الذي ترجم إلى أول لغة أوربية وهي الإسبانية. وفوق ما سبق ذكره يبقى واضحا أن أهمية مذكرات عبد الله الزيري هي من الأهمية بمكان. لقد اكتشف المخطوط في العصر الحديث "ليفي بروفانسال" الذي نشر بعض أجزائه بمجلة "الأندلس" سنة 1935. وفي سنة 1953 كان الكتاب كله قد نشر جزءا في المجلة المذكرة (صدرت المذكرات في كتاب مستقل بالقاهرة سنة 1955) أعلن المؤرخ الفرنسي عن نشر الترجمة الإسبانية التي أنجزها التعاون مع المستعرب الإسباني "إميليو غرثيا غوميث"، وهذه هي الترجمة الإسبانية التي ظهرت اليوم ولأول مرة، ومهما طال انتظارها فإن القارئ والدارس لن يشعر بالغبن. إن مذكرات عبد الله الزيري ليست مصدرا تاريخيا من الدرجة الأولى وحسب بل هي بالإضافة إلى هذا وثيقة إنسانية وقراءتها مشوقة، وما يضفي عليها جمالا هي الترجمة الرائعة إلى الإسبانية التي أنجزها المستعرب "غرسيا غوميث".


وكما أعلن "غرسيا غوميث" في المدخل الدراسي الذي وضعه للكتاب أنه قسم هذه المذكرات إلى فصول متابعة للنص، ولم يكن الأصل العربي يحتوي على أي عنوان ولا على تقسيم داخلي.


وحسب هذا التقسيم فإن الفصل الأول والأخير من مذكرات عبد الله الزيري يشكلان بالتتالي المدخل وخلاصة الكتاب. يحتوي المدخل على مجموعة من الاعتبارات التمهيدية، حيث يحاول المؤلف من خلالها سلفا تحديد المؤرخ الموضوعي والإشارة إلى صعوبة اتخاذ موقف الحياد، بينما تحتوي الخلاصة على مجموعة من الاستطرادات في الكلام حول القدر وجبرية الإنسان، وهو ليس استنتاج شخصي للمؤلف بل إشارة إلى الأخلاق العامة السائدة. الصفحات الأولى والأخيرة سليخة ومحملة بما فيه الكفاية، يظهر من خلالها الملك عبد الله الزيري كرجل ذي ثقافة متوسطة وتعليلات نظرية ضعيفة، ومع ذلك تحتوي هذه الصفحات على بعض الأشياء يكشفها المؤلف عن شخصيته وحياته الخاصة والتي قدمها بنغمة استحضارية حميمية.


أما القسم الذي هو حقيقة تاريخية من المذكرات فيبدأ في الفصل الثاني، حيث يحكي فيه عن بداية العائلة الملكية الزيرية (ابتداء من سنة 1.002م) حتى وفاة بن حبوس، وهي صفحات مقتضبة وغامضة، غير ممنهجة، وليس لها هيكل أو إطار تاريخي، يقدم فيها القليل من المعلومات، ومن دون شك فهي مخيبة بالنسبة للمؤرخ المحترف. ابتداء من الفصل الثالث يكتسب الكتاب حيوية وأهمية حقيقية عندما يحكي أولا عن حكم أكبر ملك من عائلة الزيري باديس المظفر، وهو جد المؤلف وسلفه القريب والمباشر في وراثة العرش.


ومن دون شك، فإن عبد الله سمع منه مباشرة عدة ذكريات عائلية وأحداث وقعت في فترة حكمه، وخاصة في الصفحات التي يصف فيها فترة حكمه، ويبدو من خلال صفحات الكتاب أن الجد باديس مثل أم عبد الله كان لهما دورا أساسيا في حياته وطرفا مهما حيث أنهما يشكلان مصدر هذه المذكرات. إن شخصية أم عبد الله تبدو جلية ظاهرة في الفصول التي يشير فيها إلى ظروف خلعه من طرف المرابطين ونفيه الذي كان نتيجة لذلك، وتجدر الإشارة هنا إلى ملك غرناطي آخر وهو أبو عبد الله الذي نفى أم عبد الله التي لم تظهر ضعفا ولم تبخل عليه باللوم والعتاب.


من الفصل الرابع إلى الفصل العاشر يصف أيضا ظروف حكمه محاولا الدفاع عن نفسه بأنه غير حازم ومتردد ومقصر ولم يكن مؤهلا للحكم، ويبرر أفعاله وإهماله لبعض الأمور. وهناك حوادث هامة يسكت عنها، ويبرز أخرى، محاولا إعطاء شخصيته والدور الذي كان له في هذه المأساة أهمية لم تكن لديه، وهذا يبدو واضحا وظاهرا حتى في المذكرات. إن شخصية "الفونسو السادس" ويوسف بن تاشفين تسيطران على السرد كله، كشخصيتين كانا لهما دور بارز في هذه الحقبة، بينما نجد أن المعتمد بن عباد هو الشخصية البارزة بين ملوك دول الطوائف. إننا نجد أن عبد الله الزيري مثل باقي ملوك دول الطوائف كان عبارة عن مرافق محض للأحداث التي تجاوزته، وهي أحداث لم يعطيها دائما الاهتمام والعناية التي تستحقها : مثل معركة الزلاقة الشهيرة، التي يخصها فقط ببعض السطور، كما أنه لا يعتني بضبط التواريخ وتحديد الأمكنة التي وقعت فيها الحوادث، إنه لا يقوم بدور المؤرخ، غير أنه يبدو جد معبر عندما يصف الحياة بغرناطة، وفسيفساء من اليهود والمستعربين والبربر والعرب الذين عاشوا بهذه المدينة، والشك والريبة المتبادلة بين المرابطين والأندلسيين والنزاعات بين دول الطوائف، كل ذلك شخصه وصوره من خلال الأحداث بالمدينة، التي كان أن يسيطر عليها العنصر اليهودي بواسطة وزراء بنو نغرلة، والعربي الأندلسي ابن عمار شاعر ووزير عمل مع المعتمد بن عباد بأشبيلية، القشتالي "ألبارو فانييت" والكونت المستعرب "سيسناندو دابيديس" والمرابطي غرور. لا نعثر على أي كتاب في التاريخ يؤرخ لهذه الحقبة (مثل الرسالة الحديثة التي تقدم بها في هذا الموضوع" أ. هاندلير THE ZIRIDSOF GRANADA، جامعة ميامي بولاية فلوريدا سنة 1974) يمكن أن يحقق إطارا ندرك ونفهم الحسرة والشدة التي تعبر عنها هذه الصفحات والعمل المقلق الذي نتج عن الطلبات المتنامية لألفونسو السادس وما أحدثته في دول الطوائف، والوعي المطلق بأن الغاية (هناك فقرة من مذكرات عبد الله الزيري جد معبرة في هذا الشأن) من وراء مضايقات دفع الجزية ليست غير أضعافهم والسيطرة بسهولة على دول الطوائف مثل ما وقع لـ "طليطلة"، ويقدم المؤلف وصفا مؤثرا لإحدى مقابلاته مع "الفونسو السادس" : العجرفة والاحتقار المطلق الذي يظهر الإهانة والعجز، وأخيرا الخوف الذي يحدثه لدى ملوك الطوائف والمكر والحيلة، ومحاولته جعل من أعدائه سياجا ضد الآخرين.


ومن جهة أخرى نلمس كذلك الفاجعة في الصفحات التي يتحدث فيها عن ظروف خلعه، ولأنه كان موجود بالمغرب ولم يرد إثارة غضب الحكام المرابطين، وفي هذه الصفحات المأساوية يتحدث عن الفظاعة وخشونة قساوة المرابطين في معاملته ومعاملة أفراد عائلته. إن عبد الله الزيري لا يستطيع إخفاء نيته السيئة وابتهاجه في الفصل الحادي عشر، الذي يتحدث فيه عن الحظ الذي لقي نظرائه ملوك دول الطوائف بألميرية وأشبيلية وبطليموس على يد المرابطين الذين لا يرحمون.


إنه القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري) بضمير المتكلم.


مقدمة الكتاب كتبها "إميليو غرسيا غوميث" يتعرض من خلالها إلى مضمون هذه المذكرات، يضعها في سياقها التاريخي، بالإضافة إلى ملخص عن تاريخ الزيريين وعن فترة حكم عبد الله (...) كما يتضمن الكتاب تلخيصا لآراء وتقييمات "رامون مينينديث بيدال" التي كانت قد نشرت بمجلة الأندلس (1936). كما يتضمن النص تعليقات وتفسيرات كثيرة وبيبليوغرافيا تحيلنا على أهم المصادر المعاصرة. وتضم خاتمة الكتاب ملاحق تحليلية تسهل استعمال النص. ومن جهة أخرى فإن الكتاب صدر في طبعة جيدة متقنة. (...) مقدمة الكتاب مقتضبة ومضبوطة، وجهازه النقدي لا يتجاوز الحد. إن "غرثيا غوميث" يحدد إطار النص الذي ينطق وحده، ويسخر استغلاله عمدا للاختصاصيين فهؤلاء وجمهور القراء على العموم بوسعهم الآن الترحيب بظهور هذا الكتاب الذي طال انتظاره.


________________________________________________


عن المجلة الإسبانية "اوكسيدينطي" عدد Occidente n°3